القصة 


ظلال مدينة عتيقة

::::: يسري الغول :: فلسطين :::::                          


 
داخل قبري تذكرت الصباحات الجميلة وصوت فيروز وابتسامات المارة وأحاديث الأصدقاء. داخل قبري لم أعد في غفلة من شيء، فبصري اليوم حديد. تحضرني الأحداث متتابعة وصولاً إلى القطرات المالحة التي سقطت على أرنبة أنفي دون أن أقدر على مسحها أو إزاحتها جانباً. تماماً كما حدث معي يوم أن كنت في زيارة لرفيقتي سمر ذات البشرة السوداء. فقد خرجت إلى شوارع المدينة بكامل بهائي وأناقتي، في يدي اليسرى باقة ياسمين وفي اليمنى هاتفي المحمول الذي سيلتقط صوراً لنا، ونحن نبتسم ونمارس طقوس الحياة.

يومها كنت أسير على جانب الطريق وفتيات المستوطنات الهامشية ينظرن إليّ بابتسامات شبقة وغمزات مثيرة. أمارس لعبة الطرق الملتوية وفي مخيلتي قُبلة رقيقة على شفتيّ تنسيني آلام الحواجز والكتل الاسمنتية وأجهزة التفتيش المزروعة بكل نقطة من أرضنا. وحين أصل تلك القدس –التي لا أراها كل عام إلا مرة أو مرتين- تتوقف الحياة وتبدأ دورتها الجديدة، كأنها حيوات كثيرة لا تنقضي، أتنشق عبير خليلتي العربية الفلسطينية المقدسية وهي تستند إلى جدار في باب المغاربة. تشع بنورها على وجهي، فأنتشي فرحاً. أجلس كقديس تحت شجرة سرو وفي يدي يدٌ أخرى تمسك بباقة ياسمين تفوح منها رائحة التعب والمسافات الطويلة. نحتسي الصمت إلى أن يأتي ذلك الجندي الذي يطلب منا إشهار بطاقتنا وتصاريح دخول المدينة. يطالبنا بوقف ابتسامتنا، فهو يمتلك جبروت البقاع التي لا عروبة فيها غير الأمكنة. وحين يهم بالمغادرة يقول بعبريته الصدئة:
- ليخ لو بايتا.
-
تمسكني رفيقتي براحة يدها مجدداً وننصرف من المكان، نتسكع في ضواحي المدينة، والمجندات يعزفن سيمفونيات الوحدة على أبواب القدس. يتأملننا وفي أفواههن شتائم لهويتنا لا تنتهي. وحين نصل أحد المقاهي العربية التي تتغنى بعبد الناصر وأم كلثوم وعبد الوهاب، تستوقفني سمر، وتسأل: هل لنا أن نجلس هنا قليلاً؟ أومئ بالموافقة. تخبرني كيف أثرتها في قبول طلب صداقتي الافتراضي على موقع الفيس بوك رغم أنها لم تكن تستهويني حين أبصرت وجهي الحنطي؛ فبوستاتي الفيسبوكية دفعتها لأن تعيش معي، تستحضر هويتها الضائعة وتبحث عن ذاتها في مخاض ازدواجية الهويات والإثنيات. تخاطبني بثورجيتي الغريبة في زمن يبحث فيه الشباب عن نزواتهم الخاصة، فلا أملك غير النظر في عينيها لتداري وجهها حياءً، وحين تنتهي أقول: إنني مللت الحياة لأنني لم أعد أملكها، فكل شيء صار بحاجة لتنسيق وتصاريح دخول وخروج حتى رؤية أخي في الجانب الآخر من الجدار.

ننصرف، وهراوات الجند تتعثر بجسدي، تضربني لأن موعد الزيارة انتهى كمسجون ليس له غير قمقم معتم لا حياة فيه. تودعني حبيبتي ثم تمضي إلى بيتها وهويتها الزرقاء حصانة لتعيش كيفما تشاء، فهي إسرائيلية رغم جيناتها الفلسطينية.

داخل قبري تذكرت الصباحات الجميلة وصوتها حين كانت تغازلني عبر الهاتف، نتحدث لساعات طوال، تقول ساخرة: إنني في الجنة أيها العربي التعيس، فأقول محتداً: هذه جنتي وسأعود إليها قريباً حتى أراك. تضحك وتخبرني عن معاكسات جنود الفلاشا لها كلما خرجت إلى جامعتها بسبب بشرتها القريبة من هؤلاء المهاجرين، وأنها فلسطينية أباً عن جِد رغم أنف الهوية الإسرائيلية الزرقاء التي تحملها. يومها سألتها دون خجل:
- هل حقاً إنك فلسطينية؟ ...أقصد: ألا تشعرين أنك إسرائيلية لك ما لأي مواطن هناك؟
تستشيط غضباً، وتهتف:
- لو كان أبي جباناً، وهاجر إلى ضفتكم أو إلى غزة أو أي بلد آخر لصرت مثلك عربية تائهة تبحث عن ملاذ.
تتابع بحزن:
- يكفي أنني أرى بلادي تحتضر كل يوم فأندبها دون أن أفعل لها شيئاً سوى البكاء.
- .......................
داخل قبري تذكرت كيف انقطعت الأخبار عنها فجأة، وتوقفت كل سبل الاتصال بها، وحين حاولت أن أكتب لها رسائلي على صفحتها الفيسبوكية أو هاتفها المحمول كانت الإجابة: عذراً، لم يتم إرسال الرسالة، إلى أن جاءني خبر اعتقالها، وزجها في إحدى زنازينهم بتهمة التخابر مع جهات معادية. ولم أكن أعرف أن حرفي (ثورجياً) حقاً كما كانت تقول، فندمت أني عرفتها أو كتبت شيئاً عن وطن لا يعرف غير الخوف والموت البطيء.

داخل قبري كنت أتململ، يمنة ويسرة، وشريط الأحداث يتتابع، فتنتابني موجة ضحك مجنون، ضحك الذين خرجوا من ضيق الحياة إلى رحابة الموت، تضج القبور من حولي، كأني أوقظ خلواتهم وحيواتهم. أتذكر كيف جعلت من جنودهم حكاية رسمتها سمر في دفترها الجامعي.

ذات مساء جاءني اتصال مفاجئ من رقم أظنه بلجيكياً، وقد كنت أغط في النوم. لم أرد، كتمت الصوت لأهنأ بفجر الإجازة الأسبوعي، لكن تكرار الاتصال الذي أضاء شاشة الهاتف أكثر من مرة أثار الريبة لديّ فقمت بالرد، وكان من خلفه أثير صوتها المحموم. تحدثت وبكت، سمعت نشيجها وتنهداتها. قالت إنها طردت من الجامعة العبرية التي تدرس فيها، وإنها لن تعود إلى فلسطين حتى تتحرر أو تموت هي. بكت وهي تصف لي كيف زجوا بها في أقبية التحقيق، كيف جردوها من ملابسها ثم طبعوا أعقاب السجائر على نهديها. أخبرتني كيف انتهكوا عذريتها حين وضعوها في غرفة تعج بعاهرات يهوديات جئن من تل أبيب وكريات ملاخي وكريات شمونة. أخبرتني كيف قتلن أنوثتها حين قمن بفض بكارتها على أعين الجند، وهي تبكي وتستصرخ الجدران دون رحمة أو شفقة.

لم تتوقف عن الحديث إلا عند انقطاع الخط الهاتفي، فقررت عدم النوم، احتسيت القهوة ومججت سيجارتي إلى أن أصابتني غصة الموت، وعند السابعة خرجت دون أن أنتظر الشمس حتى تشرق. صرت أخترق الشوارع التي تعج بجيراننا ثقيلو الظل في كريات أربعة، بملابسهم القذرة وقبعاتهم الدينية وظفائرهم القبيحة، كنت أستمع لفيروز وهي تغني لمدينة الصلاة حين قمت بدهسهم واحداً واحداً حتى التف أحد الجنود حولي يطلق نيران رشاشه، يبكي خوفاً ورعباً، وفي يدي سكين تجهز على من تبقى منهم، بينما أصعد إلى أعلى وأنا أضحك وأضحك وأضحك.
داخل قبري لملمت أحزاني ونمت منتظراً الموت.



عناوين أخرى في العدد

* ظلال مدينة عتيقة (يسري الغول)
* الخرزة (عامر هشام الصفار)

أعداد سابقة

       

         

إعلانات


Back to Top