المقال 


كل يغني على قدسه

::::: يعقوب بن إفرات - إسرائيل :::::                          




 
نفذ دونالد ترمب ما وعد به قاعدته الإنتخابية واعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وقد أسقط القناع وفضح الموقف الأمريكي من القضية الفلسطينية المنحاز في واقع الأمر مئة بالمئة لصالح إسرائيل في الوقت الذي يدعي فيه الحياد نظريا. وقد احتكرت أمريكا منذ إعلان اتفاق أوسلو الوساطة بين إسرائيل والفلسطينيين وفي نفس الوقت سن الكونغرس الأمريكي وبالإجماع قانون يدعو الإدارة الأمريكية إلى نقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس. فما قام به ترمب لم يكن سوى "الإعتراف بالواقع" كما قال، ولا شك أن الواقع أوسع بكثير ممَّ يقصد الرئيس الأمريكي. فحجة ترمب للإعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل هي وجود كل الدوائر الحكومية بما فيها بيت الرئيس والكنيست في المدينة، ولكن الواقع لا بد أن يشمل أيضا عنصرين أساسيين: الأول- وهو، كما ذكرنا، الدعم الأمريكي غير المشروط للموقف الإسرائيلي من القدس وثانيا- وهو ما لا يقلّ أهميةً، الإعتراف بأن العملية السلمية قد وصلت إلى طريق مسدود وأن الأفق ـمام الحل على أساس الدولتين قد انسدّ تماما.

الواقع الذي يتكلم به ترمب لا ينحصر في القدس فقط بل يشمل أيضا كيانين فلسطينيين تشكلا بموجب اتفاق أوسلو في غزة ورام الله منقسمين آيديولوجيا، سياسيا وإقليميا، إضافة إلى ذلك انتشرت على طول وعرض الضفة الغربية مئات المستوطنات أُضيف إليها نصف مليون مستوطن يهودي. هذا الواقع هو أخطر بكثير من الإعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، إعتراف ناتج عن الواقع الفلسطيني والعربي الداخلي أكثر من أي سبب اخر. فمنذ 25 سنة يقنعنا أنصار فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية أن المفاوضات برعاية أميركا هي الطريق الصحيح لإنهاء الإحتلال، أما حماس فقد أصرت على المقاومة المسلحة التي لم تزحزح إسرائيل من موقفها، بل بالعكس، إذ جلبت الدمار للشعب الفلسطيني وعززت الإنقسام المدمر بين السلطتين.

إن قرار ترامب يشكل بلا شك تحديا كبيرا جدا فهو يقول وبصوت واضح أنه ليست هناك على الطاولة صفقة سوى تلك التي ترضي نتنياهو، وأنها –الصفقة- تتماشى مع مذهب المسيحيين الإنجيلين الذين صوت 80% منهم لترامب، واستجابةً لهم قام بهذه الخطوة. ولكن ومن خلال متابعة المسرحية السياسية التي تعرض أمامنا في هذه الأيام فلا شك أن الفلسطينيين، العرب والمسلمين عموما ليسوا على مستوى هذا التحدي الكبير. إن القدس إضافة إلى كونها مدينة الأديان السماوية الثلاث هي أيضا ورقة سياسية ثمينة يلعب فيها كل طرف كما يروق له ولم يكن ترامب الأول ولن يكون الأخير الذي يستخدم القدس كموضوع للعلاقات العامة في خدمة أهدافه السياسية.

وقد أصبحت القدس ورقة انتخابية رابحة استخدمها نتنياهو في حملته الإنتخابية الأولى سنة 1996 في منافسة شمعون بيريز تحت شعار: "بيريز سيقسم القدس" وهذا بعد أن تصدر المظاهرات التحريضية ضد رابين الذي وجهت إليه تهمة الخيانة بسبب توقيعه على اتفاق أوسلو. وفي نفس السنة بالذات بدأت أول حملة شنتها الحركة الإسلامية الشمالية تحت عنوان "الأقصى في خطر" إثر الإنشقاق الداخلي في الحركة الإسلامية على خلفية المشاركة في الإنتخابات للكنيست التي اعتبرت من قبل الشيخ رائد صلاح بدعة. إن "الأقصى في خطر" أصبحت ورقة سياسية خطيرة ليس بهدف تحرير الأقصى بل بهدف السيطرة المطلقة على الحيز العام داخل مناطق 48.

ومن ذلك الحين أصبحت القدس "إخوانية" استخدمت من قبل الإخوان المسلمين في مصر في منافسة نظام مبارك، ومن بعده تحولت إلى ورقة داعية في يد قطر وقناة الجزيرة التي تستخدمها اليوم لفضح سياسة السعودية وكغطاء لتحالفها الوثيق مع إدارة ترامب الأمريكية، فقطر تستضيف أكبر قاعدة جوية أمريكية في الشرق الأوسط على أراضيها. أما السلطان أردوغان، فهو أيضا إخواني انضم إلى الحافلة في الوقت الذي يستضيف على أرضه قاعدة "إنجرليك" الجوية، أباح دم الشعب السوري عندما تحالف مع بوتين الذي ساوى مدينة حلب في الأرض وذبح أهلها. وأخيرا وليس آخرا، ونحن بصدد الشعب السوري، فلا بد من ذِكر إيران التي تقيم احتفالية سنوي حول القدس، وحسن نصر الله الذي يتوعد بتحرير فلسطين عن طريق احتلال سورية والسيطرة الفعلية على لبنان.

واذا كانت القدس ورقة دعاية في يد ترامب ونتنياهو وخامنئي ونصر الله وهنية ورائد صلاح وأردوغان، فهي تعتبر موضوعا سياسيا خطيرا في وجه أبو مازن والسلطة الفلسطينية. فما قام به ترامب قد اختصر المسافات، إذ أن صفقة القرن أُزيلت عن الطاولة ولم تبق أي صفقة تُذكَر سوى ما يطرحه نتنياهو- حكم ذاتي فلسطيني موسع. وإذا كان أبو مازن قد قام بمناوراته السياسية مثل التوجه إلى الأمم المتحدة تارة والتهديد بالتوجه إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي تارة أخرى، أو تنظيم مؤتمر دولي حول فلسطين تحت الرعاية الفرنسية، فاليوم لم يبق الكثير من هامش المناورة.

أذا أراد أبو مازن أن يقاطع إدارة ترامب مثل ما توعد به فعليه أن يتنازل عن 500 مليون دولار من المساعدات الأمريكية، وإذا أراد أن ينقض الإتفاق مع إسرائيل عليه أن يتنازل عن 500 مليون دولار إضافية مِمَّ سيبقيه مع ميزانية ضئيلة جدا وفي خطر انهيار مالي. أما إذا أراد أن يوقف التنسيق الأمني مع الإحتلال فعليه أن يواجه الخطر من قبل حماس التي تريد أن تنقل تجربة غزة إلى الضفة الغربية، وإذا أراد أن يعتمد على السعودية أو مصر فعليه أن يقبل بمحمد دحلان وريثا له. إن انعقاد المجلس المركزي والدعوة المتكررة لحماس أن تضم صوتها بعد أن رفض أبو مازن رفع الحصار عليها لا تشكل سوى خطوات اعتيادية بعيدة جدا عن أية خطوة استراتيجية استجابةً للواقع الجديد.

ليس مصير القدس على المحك بل مصير السلطة الفلسطينية، ليس في إعلان ترامب شيئاً كفيلاً بتغيير واقع المدينة، فغربها سيبقى يهوديا وشرقها سيبقى عربيا فلسطينيا بحكم الواقع الحالي والتاريخي. يبقى السؤال هو هو:- ما هو مصير السلطة في حال انسداد الأفق لإنشاء دولة مستقلة؟ إن مجرد وجود السلطة الفلسطينية يعني إحياء فكرة الدولتين بعد أن اغتيلت من قبل نتنياهو وقام ترامب بدفنها نهائيا وهو يعترف "بالواقع" كما يدعي. في الواقع تحولت السلطة الفلسطينية إلى مقاول رئيسي للاحتلال الذي تحرر من كل الواجبات تجاه المواطن الفلسطيني، وتمنح للمحتل حرية الإستيطان والتنكيل بالمواطنين تحت سقف اتفاق أوسلو والتنسيق الأمني.

إن الخطوة الوحيدة التي تستجيب لـ"الواقع" الحالي هي حل السلطة الفلسطينية بعد مرور 25 سنة على إنشائها واتضاح عدم فائدتها للشعب الفلسطيني بشيء بل أفادت - على النقيض - اليمين الإسرائيلي والمستوطنين. إن الأغلبية الساحقة من الفلسطينيين فقدوا كل ثقة في السلطة الفلسطينية بسبب ممارساتها الأمنية، الإقتصادية والإجتماعية. أما داخل إسرائيل نفسها فلم يبق تيار سياسي نافذ يدعم فكرة الدولتين بسبب "الواقع" الإستيطاني الذي فرض نفسه على المشهد السياسي.

اليمين الإسرائيلي يعتمد على رغبة فتح وحماس بالتمسك بالسلطة بكل ثمن، الإمتيازات المادية التي تحظى بها أقوى من ضميرهما وواجبهما تجاه شعبهما ورغم ذلك فمصير السلطة محتوم.

رب ضر النافعة، فإذا كان قرار ترامب لا يغير كثيرا فهو يضع في وجه كل فلسطيني الحقيقة العارية، لم يبق أمامنا سوى حل واحد وحيد وهو حل الدولة الواحدة. هذا هو "الواقع" بعد 50 سنة من الإحتلال و25 سنة على مرور أوسلو، ولا بد أن يتحول من واقع احتلال إلى واقع ديمقراطي يجمع الإسرائيليين والفلسطينيين ضمن دولة واحدة للجميع
.


 

عدد القراءات
مجلة الكاتب

عناوين أخرى في هذا العدد

* دايم دايم (رئيس التحرير)
* وطني عم يوجعني (د. وليم نصار)
* كل يغني على قدسه (يعقوب بن إفرات)
* لمحة عن توظيف الشعر والشعراء (أحمد صبحي منصور)
* هل الشعوب دائما على حق؟ (الهيموت عبد السلام)
* بريطانيا الاستعمارية وتدمير الكيانية الفلسطينية (خالد الحروب)
* الخمينية والوهابية تترنحان (ناجح العبيدي)
* الحوزة النجفية ومحاكم التفتيش الكاثوليكية (علي محمد البهادلي)
* الفاشية إذ تظهر بقناع الدفاع عن حرية الفكر (سعيد مضية)
* لماذا لم ينتفض أهل القدس على إعلان ترامب؟ (نادية حرحش)
* من ذاكرة حصار بيروت (فواز طرابلسي)
* المقاومة اللبنانية (صبحي ياغي)
* لا أحد يستطيع تزييف التاريخ (خالد براج)
* قرار الليكود بضم الضفة الغربية (إيهاب أبو عتيلة)
* درب الآلام وحكاية الألفي عام (مهند الأخرس)
* في زيارته إلى السودان .. أين ذهبت أخلاقية أردوغان؟ (مسلم أبوسن)
* فلسطين C’est La Vie (محمد إبداح)
* التحالف السعودي – الاسرائيلي (أسعد العزوني)
* سبع سنوات عجاف .. ونصر (عدنان الصباح)
* غطرسسة أمريكية ضد الحقوق الفلسطينية (عبد الله النملي)
* أيها العام الجديد (عز الدين المصري)

أعداد سابقة

       

       

إعلانات



Back to Top