المقال 


المقاومة اللبنانية

::::: صبحي منذر ياغي - لبنان :::::                          



 

السادس عشر من ايلول/ سبتمبر ذكرى انطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية (جمول) ضد الاحتلال الاسرائيلي، وهو اليوم الذي اطلق فيه المقاومون اللبنانيون أولى رصاصاتهم في شوارع بيروت، بعد البيان الذي أعلن فيه امين عام الحزب الشيوعي الشهيد جورج حاوي، وامين عام منظمة العمل الشيوعي محسن ابراهيم بزوغ فجر المقاومة الوطنية وقوى يسارية اخرى. يومئذٍ أُطلق الرصاص على الجنود الصهاينة قرب صيدلية بسترس في منطقة الصنائع ومحطة ايوب وكورنيش المزرعة، ثم كرت السبحة، الى ان تمكنت المقاومة من الحاق هزيمة تلو الاخرى بالاحتلال قبل تحرير الجنوب عام 2000، وبعده خلال عدوان 2006.


تطورت حرب العصابات منذ العام 1834 عندما حاول <جوزيبي غاريبالدي> الملقب بـ<أبي حرب العصابات>، توحيد ايطاليا وتحريرها من سلطة الحكم النمساوي، بحيث باتت حرب العصابات الاسلوب الاكثر شيوعاً في قضايا التحرير في مناطق عدة من العالم. ثم كانت التجربة الفرنسية خلال الاحتلال الالماني النازي لفرنسا والتجربة الفيتنامية.. والفلسطينية.. . وصولاً الى تجربة المقاومة الوطنية في لبنان والتي ادت الى خروج المحتل الاسرائيلي خائباً منهزماً وذليلاً.

في مجال النضال والحروب الشعبية، قادة باتوا رمزا للثورة والنضال والكفاح، ومن هؤلاء <سيمون بوليفار> القائد الثوري والسياسي في العاصمة الفنزويلية <كاراكاس>، المولود في 24 تموز/ يوليو عام 1783، وهو الشخص الذي تدين له جمهوريات أميركا اللاتينية باستقلالها عن الحكم الاسباني، أطلقوا عليه اسم «جورج واشنطن أميركا اللاتينية»، وسُميت دولة بوليفيا تيمناً باسمه. وعند ذكر حرب التحرير الشعبية لا بدّ من التطرق الى الزعيم الصيني <ماو تسي تونغ> الذي وضع نظريات ودراسات في حيثيات هذه الحرب. والجنرال <جياب> الذي كان الاسطورة والقائد الفذ لكل دعاة الثورة والتحرير. ويُعتبر الثائر الارجنتيني <تشي غيفارا> الذي قاتل في صفوف الثورة الكوبية التي قادها <فيديل كاسترو> في الخمسينات ضد حاكم كوبا <فولغينسيو باتيستا> رمزاً لجميع المقاومين، وقد اعتُمد كتاب <غيفارا> الشهير <حرب العصابات> الذي وضعه عام 1960 كمرجعٍ للباحثين والدارسين في هذا الاطار.

المقاومة الفلسطينية

كانت المقاومة الفلسطينية المولود الطبيعي من رحم المعاناة بعد ان غزت الجحافل الصهيونية ارض فلسطين لتحتلها، وتطورت المقاومة الفلسطينية وتطورت عملياتها العسكرية واستطاعت ان تلحق الاذى بالعدو. وقد قدمت المقاومة خيرة الشهداء في حرب طاحنة ضد العدو، وبفضل هذه المقاومة اعترف العالم بمنظمة التحرير كممثل شرعي للشعب الفلسطيني، وبفضل هذه المقاومة استطاع قائدها ياسر عرفات الوقوف على منبر الجمعية العمومية للامم المتحدة عام 1974، مخاطباً رؤساء العالم: <جئتكم بغصن الزيتون وبندقية الثائر، فلا تسقطوا الغصن الاخضر من يدي>.

ا
لمقاومة الوطنية في لبنان وظروف ولادتها

تُعتبر تجربة المقاومة الوطنية اللبنانية في لبنان، ومن ضمنها تجربة المقاومة الاسلامية، نموذجاً متطوراً في حرب العصابات والتي أدت الى طرد المحتل الاسرائيلي مهزوماً بعد ان نال نصيبه من الضربات القاسية. وولدت المقاومة الوطنية من بين ركام بيروت التي دمرها الطيران الاسرائيلي خلال الاجتياح عام 1982، ودخلها الصهاينة مزهوين بانتصارهم الوهمي.

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي يوسف مرتضى في حديث مع <الافكار> انه بتاريخ السادس عشر من أيلول/ سبتمبر 1982، اعلن القائدان الرفيقان: <جورج حاوي الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني، ومحسن ابراهيم امين عام منظمة العمل الشيوعي، ومن منزل الشهيد كمال جنبلاط عند منطقة المصيطبة، ضمن بيان مشترك ولادة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ضد قوات الاحتلال الاسرائيلي، ودعيا <الى حمل السلاح تنظيماً للمقاومة الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال وتحرير الارض من رجسه من أقصى الوطن الى أقصاه>. وفي اليوم نفسه كانت قوات العدو الصهيوني قد استكملت احتلال بيروت بعد حصار دام 89 يوماً.

وتابع مرتضى: استجاب الشيوعيون وسائر الوطنيين اللبنانيين لهذا النداء، فكانت العملية الاولى في ليل 20-21 أيلول/ سبتمبر قرب صيدلية بسترس في محلة الصنائع، نفذها ثلاثة مناضلين شيوعيين وأسفرت عن سقوط ثمانية جنود للاحتلال بين قتيل وجريح . وقد وجه الرفيق جورج حاوي للرفاق الذين نفذوا العملية رسالة جاء فيها: <انه لشرف عظيم لكم ان تكونوا انتم من اطلق اسم جبهة المقاومة الوطنية
.
وبدأت العمليات البطولية تتصاعد وتكبر ككرة الثلج في مختلف احياء بيروت، ما اضطر قوات العدو للانسحاب تحت ضربات ابطال جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، وذلك يوم السادس والعشرين من أيلول/ يوليو 1982 وهم يطلقون الصيحات عبر مكبرات الصوت <يا اهل بيروت لا تطلقوا الرصاص نحن منسحبون
.
وتتالت وتوالت عمليات جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية في مختلف المناطق اللبنانية المحتلة الى ان فرضت عمليات المقاومة على قوات الاحتلال الانسحاب من منطقة الجبل حتى ضفاف نهر الأولي في بداية خريف 1983. وفي نيسان/ أبريل من العام 1985، اضطرت قوات الاحتلال الى الانسحاب من صيدا وجوارها والزهراني وصور والنبطية ومن مئات القرى والبلدات في الجنوب شمالي الليطاني والبقاع الغربي لينحصر حضورها فيما عُرف لاحقاً باسم الشريط الحدودي الذي انسحبت منه في 24-25 ايار/ مايو العام 2000، وقد كُرّس يوم 25 ايار/ مايو يوماً للتحرير.

مصادرة المقاومة

اما عن سبب توقف الحزب الشيوعي عن عملياته المقاومة ضد اسرائيل، فيعتبر مرتضى ان ذلك لم يكن بمحض إرادة الحزب بل كان نتيجة لجملة عوامل اهمها المضايقات التي تعرض لها مناضلو الحزب على امتداد القطاع الغربي في الجنوب المحرر من قبل قوى الأمر الواقع تنفيذا لأوامر القيادة السورية بعد عودة قواتها الى لبنان في العام 1987 ونتيجة رفض قيادة الحزب الشيوعي الانصياع لطلبات القيادة السورية بوضع عمليات جبهة المقاومة بتصرفها. وعلى خلفية ذلك تم تهجير واعتقال وتعذيب العشرات من المقاومين الشيوعيين واغتيل 21 مناضلاً شيوعياً في الجنوب على ايدي قوى الامر الواقع وكان بينهم من اغتيل اثر عودته من تنفيذ عملية في منطقة الشريط الحدودي ضد قوات الاحتلال وعملائه او اثناء توجهه للقيام بعملية عسكرية. وعلى الرغم من كل المضايقات، فقد نفذ مقاومو الحزب الشيوعي من أيلول/ سبتمبر 1982 الى تشرين الاول/ اكتوبر 1993 اكثر من 1113 عملية حقيقية وليس عمليات اطلاق صواريخ ورصاص عند خطوط التماس او عمليات وهمية او عمليات تحريك سياسي.

ا
حتواء المقاومة!

واكد مرتضى ان الحزب الشيوعي حاول العودة الى ممارسة نشاطه في المقاومة بناء لقرار من مؤتمره الثامن، ولكن الظروف التي أعاقت عمله في السابق فرضت نفسها عليه مجدداً، وعلى الرغم من ذلك فقد نفذ الحزب عدة عمليات ضد قوات الاحتلال خلال عامي 1998-1999، استشهد له فيها الرفيقان: نبيل بيار ابو جودة وسامي جرجي. كل تلك الإنجازات أصبحت في رصيد المقاومة الاسلامية بعدما جرى تطييف المقاومة لأسباب اصبحت معروفة بأبعادها اللبنانية والإقليمية . لقد ذهبت القوى النافذة بمشاركة قيادة المقاومة الاسلامية في مشروع احتوائها لإنجازات وتضحيات جبهة المقاومة الوطنية الى حد منع قيادة الحزب الشيوعي اللبناني من المشاركة في استقبال جثامين شهدائه وعميد الأسرى المحررين المناضل أنور ياسين في مطار بيروت.

عملية الويمبي

وخلال استعراض التاريخ الذهبي للمقاومة الوطنية اللبنانية، لا بدّ من العودة الى مشاهد عملية <الويمبي> الشهيرة في شارع الحمراء في بيروت التي نفذها المقاوم خالد علوان عضو الحزب القومي السوري.

وبرأي محمد غصن (مسؤول سابق في المقاومة) ان القومي السوري خالد علوان يُعتبر من أوائل من قام بعمل مقاوم ضد الاحتلال الإسرائيلي للبنان في بيروت، بما عُرف بعملية الويمبي الشهيرة التي كانت فاتحة لانطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية <جمول> حيث قام علوان المنتمي للحزب السوري القومي الاجتماعي بقتل أربعة ضباط اسرائيليين في 24 أيلول/ سبتمبر 1982 في مطعم <الويمبي> في شارع الحمـــــراء في العاصمـــــة اللبنانيــــة، وما زالت صورة علوان مرفوعة وسط شارع الحمراء على لوحـة تخـلد ذكرى هذه العمليـــــة التي يُحتفل بذكراها في كل عام .
لحظات رعب مخيفة

كانت لحظات رعب مخيفة..>، بهذه الكلمات وصف النادل محمود ي. لـ "الافكار": ما جرى في الويمبي يومذاك، وهو كان صغير السن ابن عشرين عاماً عندما كان يعمل في المقهى، وسمع صوت اطلاق الرصاص وشاهد ضابطاً اسرائيلياً يهوي على الارض، وسط ذهول رواد المقهى وارتفاع الصراخ، <كان علوان على ما اذكر يرتدي قميصاً أحمر اللون، واختفى وسط الزحام..>.

ا
لمقاومة الاسلامية والشيخ نعيم قاسم

بعد ان اختفى وهج المقاومة الوطنية اللبنانية لحسابات اقليمية، برزت <المقاومة الاسلامية> التي اسسها حزب الله كفصيل اساسي في حرب المقاومة، نظراً الى ما توافر لها من دعم عسكري ومادي من ايران، اضافة الى الرعاية الاقليمية التي وفرتها لها سوريا. وأصبح امين عام حزب الله السيد حسن نصر الله رمزاً للقادة المقاومين في هذا العصر.

ا
لشيخ نعيم قاسم: السرية في العمل الجهادي

ويقول نائب امين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم في هذا الصدد: <ان الخبرة العسكرية عند المقاومين نمت بشكل سريع. فبالإضافة الى ما تم اكتسابه بواسطة بعض رجال المقاومة الفلسطينية الذين استفادوا من التجربة الفلسطينية في لبنان، وما تم تعلمه بواسطة معسكرات تدريب الحرس وخصوصاً في البقاع، فقد تم توجيه تشكيلات المقاومة الاسلامية للتخصص في الاستطلاع والمدفعية والهندسة وغيرها>.

تطور أداء المقاومة

تطور أداء المقاومة بشكل فاعل، وكانت حرب تموز/ يوليو 2006 محطة مهمة في تاريخ المقاومة التي استطاعت الصمود والتصدي للعدو رغم الدمار الوحشي الذي الحقه بلبنان ورغم عاصفة القتل والموت التي استباحت كل المناطق اللبنانية، وفي حين خرج الجيش الاسرائيلي مهزوماً يناقش عبر لجان برلمانية اسرائيلية اسباب الهزيمة، كانت قيادة المقاومة تواصل تدريباتها مرتكزةً على خبرات حرب تموز، وقد استطاعت تطوير بنيتها العسكرية بشكلٍ فاعل حتى انها قاربت ان تصبح جيشاً نظامياً مسلحاً، وباتت قوة المقاومة قوة ردع فاعلة لحماية لبنان .

استراتيجية دفاعية

إلا ان هذه القوة بحد ذاتها باتت عبئاً على الدولة اللبنانية في حال بقيت خارج إطار الشرعية واطار الدولة الرسمية، لذا ارتفعت الاصوات مؤخراً لوضع استراتيجية دفاعية عن لبنان تشارك فيها المقاومة والجيش معاً والعمل على وضع حلول لدمج هذا السلاح ودمج المقاومة بالجيش لتشكل معه قوة دفاع حقيقية بوجه اي عدوان، إلا ان هذا الطرح ما زال حتى اليوم اشكالية معقدة على الساحة اللبنانية وسط ارتفاع اصوات تدعو الى إسقاط السلاح خصوصاً وان هذا السلاح بات يشكل خطراً برأي البعض على السلم الاهلي لأنه استُخدم اكثر من مرة في الداخل اللبناني والداخل السوري، لا بل تحوّل إلى فزاعة يسيطر بواسطتها حزب الله على مفاصل القرار السياسي في البلد .


 

عدد القراءات
مجلة الكاتب

عناوين أخرى في هذا العدد

* دايم دايم (رئيس التحرير)
* وطني عم يوجعني (د. وليم نصار)
* كل يغني على قدسه (يعقوب بن إفرات)
* لمحة عن توظيف الشعر والشعراء (أحمد صبحي منصور)
* هل الشعوب دائما على حق؟ (الهيموت عبد السلام)
* بريطانيا الاستعمارية وتدمير الكيانية الفلسطينية (خالد الحروب)
* الخمينية والوهابية تترنحان (ناجح العبيدي)
* الحوزة النجفية ومحاكم التفتيش الكاثوليكية (علي محمد البهادلي)
* الفاشية إذ تظهر بقناع الدفاع عن حرية الفكر (سعيد مضية)
* لماذا لم ينتفض أهل القدس على إعلان ترامب؟ (نادية حرحش)
* من ذاكرة حصار بيروت (فواز طرابلسي)
* المقاومة اللبنانية (صبحي ياغي)
* لا أحد يستطيع تزييف التاريخ (خالد براج)
* قرار الليكود بضم الضفة الغربية (إيهاب أبو عتيلة)
* درب الآلام وحكاية الألفي عام (مهند الأخرس)
* في زيارته إلى السودان .. أين ذهبت أخلاقية أردوغان؟ (مسلم أبوسن)
* فلسطين C’est La Vie (محمد إبداح)
* التحالف السعودي – الاسرائيلي (أسعد العزوني)
* سبع سنوات عجاف .. ونصر (عدنان الصباح)
* غطرسسة أمريكية ضد الحقوق الفلسطينية (عبد الله النملي)
* أيها العام الجديد (عز الدين المصري)

أعداد سابقة

       

       

إعلانات



Back to Top