المقال 


الخمينية والوهابية تترنحان

::::: ناجح العبيدي - العراق :::::                          



 

 ودع الإيرانيون عام 2017 على وقع احتجاجات عارمة ضد نظام ولاية الفقيه في إيران. ورغم التعتيم الإعلامي، إلاّ أنه من الواضح أن المظاهرات امتدت لتشمل عدة مدن من بينها العاصمة طهران وأثارت ارتباكا واضحا لدى الحكومة.

من اللافت أن موجة الاحتجاجات هذه تتزامن مع اقتراب الذكرى الأربعين لاندلاع الثورة الإيرانية ضد الشاه التي بدأت على شكل إضرابات واعتصمات في عام 1977 قبل أن يشتد عودها في خريف عام 1978، وتُتوج في مطلع عام 1979 بإقامة الجمهورية الإسلامية في حدث تاريخي ترك بصماته على معظم الصراعات العنيفة التي شهدتها المنطقة وساهم بشكل حاسم في تكريس هيمنة الإسلام السياسي بكل أطيافه.

لكن الإطاحة بالشاه لقيت أيضا ترحيبا كبيرا من القوى اليسارية والقومية التي وقعت من جديد ضحية الرومانسية الثورية، ولم تأخذ بنظر الاعتبار أن الخميني لن يؤسس لنظام قمع سافر يفوق بمراحل وحشية قمع الشاه فحسب، وإنما يعني أيضا الرجوع إلى الوراء لعدة قرون على مستوى الحريات الاجتماعية والفكرية. هذا الخطأ التاريخي تكرر مرة أخرى في الموقف من ثورات الربيع العربي التي جعلت الإسلام السياسي السني قاب قوسين أو أدنى من فرض ديكتاتوريته الدينية في بلدان عربية رئيسية.

لكن التطورات الأخيرة في إيران وكذلك المملكة العربيةالسعودية – رغم الفروقات الجوهرية بينهما - لا تستبعد بداية العد التنازلي للتيار الأصولي المتشدد في العالم الإسلامي بشقيه الشيعي والسنى. فعلى الرغم من أنه لا توجد حتمية تاريخية وأن فرص إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء تبقى قائمة في كل العصور، إلاّ أن ما يحدث في البلدين اللذين يشكلان أهم قلعتين للأصولية الإسلامية، يمكن أن يشكل بداية لمرحلة جديدة في العالم الإسلامي، كما حدث قبل نحو أربعين عاما.

فور تربع الخميني على السلطة بدأ بسياسة تصدير الثورة وتقديم الدعم السخي لأذرعه العسكرية والسياسية والفكرية المتطرفة في لبنان والعراق ولم يتردد في احتضان الأخوان المسلمين في مصر وغيرها. ولم يأت ذلك من فراغ. فإذا كان الخميني قد روج في كتابه "الحكومة الإسلامية" لمبدأ أن الإسلام سياسي دائما، وأن أي دعوة لفصل الدين عن الدولة هي مؤامرة غربية، احتكر الأخوان المسلمون على مدى عقود شعار "الإسلام دين ودولة". في هذه الفترة استغل ملك السعودية خالد انهمار ثروات النفط لتمويل القوى الإرهابية والمتشددة في أفغانستان ردا على الانقلاب الشيوعي والتدخل العسكري السوفيتي هناك. ثم جاء اقتحام الحرم المكي على يد جيهمان العتيبي وجماعته في خريف عام 1979 ليعطي بعدا دينيا وسياسيا أكبر للحادث الذي يرى فيه الكثير من المحللين ومن بينهم الصحفي الأوكراني ياروسلاف تروفينوف في كتابه بهذا الشأن "ساعة ولادة" الإرهاب الإسلاموي. مثل هذه الرواية أيدها مؤخرا رجل السعودية القوي محمد بن سلمان، كما ورد في مقالة للصحافي الأمريكي المعروف توماس فريدمان التي نشرها في نيويورك تايمز بعد لقاء مطول مع الأمير في الرياض. في تلك الساعات العصيبة للنظام السعودي لم يُصدر كبار رجال الدين المتزمتون في المؤسسة الوهابية فتوى تبيح استخدام القوة والاستعانة بقوات فرنسية في الهجوم على قدس الأقداس، إلاّ بعد توقيع صفقة ذات تداعيات بعيدة المدى بين ركني المملكة. في المقابل التزم الملك خالد بإيقاف الإجراءات الإصلاحية الخجولة وتوظيف موارد النفط لنشر الفكر الوهابي في كل مكان في رد على تمدد الخمينية. بهذا نجح العتيبي عمليا في فرض "برنامجه" رغم إعدامه ومقتل المهدي المنتظر المزعوم. لهذا لم يكن صدفة أن تشهد تلك الفترة بالذات حملة صارمة للقضاء على أي مظهر بسيط للانفتاح، ومنها حظر دور السينما والحفلات الغنائية والموسيقية ومنع مظاهر الاختلاط بين الجنسين والتشدد فيما يدعى اللباس الشرعي للنساء.

في إيران أيضا، وإن كانت النساء أكثر جرأة حاليا على تحدي الملالي، تُجبر حتى المسيحيات على ارتداء الحجاب. لكن أكثر ما يزعج نظام الملالي في المظاهرات الحالية هو أن المطالب لم تقتصر على الجانب الاقتصادي والمعيشي فقط، وإنما هناك إدانات للفساد في رأس السلطة. والأهم من ذلك هي الانتقادات الصريحة لسياسة تصدير الثورات والتدخل في الدول المجاورة التي لا تزال مستمرة رغم آثارها السلبية على حياة المواطن الإيراني. ومن دون شك فإن سياسة الرئيس الأمريكي السابق أوباما المتساهلة مع طهران وحرصه على إنجاح الصفقة النووية مهما كان الثمن أدت عمليا إلى إطلاق يد إيران في المنطقة وإلى تصاعد جرأة وعدوانية حزب الله اللبناني والحوثيين في اليمن وميليشيات شيعية متطرفة في العراق في السنوات الثلاثة الأخيرة. ومهما قيل عن رعونة الرئيس الأمريكي الحالي ترامب، يبقى خامنئي والملالي المتشددون وحلفاؤهم الطرف الأخطر الذي يلعب بالنار في المنطقة. وبالفعل فإن الآمال بحدوث انفراج سياسي واجتماعي حقيقي في إيران بعد الصفقة النووية بقيت مجرد أمنيات طيبة. ويبدو أن خيبة الأمل هذه تقف أيضا وراء نزول عشرات الآلاف من الإيرانيين إلى شوارع أصفهان ومشهد وطهران.

الآن يسعي التيار المتشدد لتوظيف الاحتجاجات الشعبية ضد الرئيس الإصلاحي حسن روحاني. غير أن صلاحيات روحاني تبقى محدودة وهذا يفسر ربما تلكؤ الإصلاحات وغضب الشارع الايراني الذي لم يجن الثمار الاقتصادية المنتظرة للاتفاق النووي. وبطبيعة الحال لا يمكن المبالغة في فرص نجاح موجة الاحتجاجات في إحداث التغيير المنشود، لا سيما وأن النظام الإيراني لا يعتمد على قوات الأمن والحرس الثوري فقط، وإنما يلجأ للفئات المهمشة والراديكالية المنضوية في صفوف الباسيج لقمع أي تطلع لدى الطبقة الوسطى الإيرانية. من جانب آخر يمكن لأي زائر لإيران في السنوات الأخيرة أن يلاحظ أيضا تآكل السطوة الفكرية والاجتماعية لنظام ولاية الفقيه وتراجع شعبيته لدى أوساط إيرانية واسعة الأمر الذي قد يساعد في تصاعد الاحتجاجات.

الوضع لا يختلف كثيرا في السعودية حيث كانت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تتولى هذه المهمة "القذرة". غير أن الأمير الشاب محمد بن سلمان وفي سياق طموحه غير المحدود للانفراد بالسلطة أُضطر لتقليم أظافر الهيئة المتشددة. ولم يتجسد ذلك في قرارات إدارية فقط، وإنما أيضا في المضي قدما بإصلاحات، أقل ما يقال عنها إنها جريئة ويمكن أن تقلب المجتمع السعودي رأسا على عقب. لا يجوز التهوين من أهمية السماح للمرأة السعودية بقيادة السيارات وإلغاء قوامة الرجال على النساء والسماح للموسيقار اليوناني ناني وغيره من الفنانين السعوديين والأجانب بإحياء حفلات تحضرها نساء سافرات ورفع الحظر على اختلاط الجنسين في الملاعب والأماكن العامة. ولا يمكن وصفها كذلك بأنها إصلاحات سطحية، بل هي تغييرات جذرية ستهز أركان المجتمع المحافظ. ومن دون شك فإن التيار المتشدد لن يستسلم بسهولة ويعد العدة لتوجيه ضربة مضادة. ونفس الشيء يسري بتحفظ على خطة الإصلاحات الاقتصادية. صحيح أن ولي العهد المندفع يسعى لفرض إصلاحاته من فوق وتوظيفها لإقصاء الأمراء المنافسين له، لكنها تتضمن أيضا إجراءات ضرورية فرضها تدهور الوضع الاقتصادي للسعودية حيث تتكبد الميزانية عجزا كبيرا للسنة الخامسة على التوالي. من هنا يبدو أن الأمير توصل إلى قناعة بأن النظام السعودي قد دخل في طريق مسدود وأنه يطبق المثل الدارج "مجبر أخاك لا بطل" في محاولة للحيلولة دون انفجار الوضع. غير أن إدراك ذلك يعتبر بحد ذاته فضيلة في السياسة، وإن كانت لا تضمن لوحدها نجاح رؤية الأمير الإصلاحية. من جانب آخر تثبت تجربة بعض البلدان ومنها الصين أن نهج الإصلاحات من فوق يمكن أن يقود في ظل الاستبداد إلى نجاحات اقتصادية. بطبيعة الحال لا يبرر ذلك الاستبداد ولا يعفي من انتقاد النهج التسلطي للأمير الطموح واستخفافه بالقانون ومغامراته في السياسة الخارجية وإدخال بلاده في سباق تسلح غير مسبوق.

من جهة أخرى تلقت التنظيمات الإرهابية التي تتبنى المذهب الوهابي المتشدد، ومنها تنظيم داعش والقاعدة ضربات عسكرية ماحقة في سوريا والعراق وليبيا، وغيرها، وتم تجفيف الكثير من مصادر تمويلها. ولم يتحقق ذلك دون مساهمة السعودية وإيران، وإن كان ذلك لدوافع متباينة.

ليس من المستبعد أن تشهد المنطقة في عام 2018 تغيرات مفاجئة، خاصة وأن الأزمة الخليجية بين السعودية وقطر كشفت عن التداعيات الخطيرة لسياسة دعم الإرهاب والتشدد ماليا وأيديولوجيا وإعلاميا من قبل الطرفين. ولكن السؤال الأهم: هل سيبدأ العد التنازلي للإسلام السياسي؟ وهل سيتخذ ذلك أسلوب إصلاحات تدريجية بعيدا عن الهزات الثورية التي تأكل الأخضر واليابس؟ وهل سيظهر أخيرا إسلام معتدل ومتنور كبديل للخمينية والوهابية بعد أربعة عقود من العنف والحروب الأهلية والصراعات المذهبية والدينية؟.
***
ناجح العبيدي اقتصادي وإعلامي مقيم في برلين


 

عدد القراءات
مجلة الكاتب

عناوين أخرى في هذا العدد

* دايم دايم (رئيس التحرير)
* وطني عم يوجعني (د. وليم نصار)
* كل يغني على قدسه (يعقوب بن إفرات)
* لمحة عن توظيف الشعر والشعراء (أحمد صبحي منصور)
* هل الشعوب دائما على حق؟ (الهيموت عبد السلام)
* بريطانيا الاستعمارية وتدمير الكيانية الفلسطينية (خالد الحروب)
* الخمينية والوهابية تترنحان (ناجح العبيدي)
* الحوزة النجفية ومحاكم التفتيش الكاثوليكية (علي محمد البهادلي)
* الفاشية إذ تظهر بقناع الدفاع عن حرية الفكر (سعيد مضية)
* لماذا لم ينتفض أهل القدس على إعلان ترامب؟ (نادية حرحش)
* من ذاكرة حصار بيروت (فواز طرابلسي)
* المقاومة اللبنانية (صبحي ياغي)
* لا أحد يستطيع تزييف التاريخ (خالد براج)
* قرار الليكود بضم الضفة الغربية (إيهاب أبو عتيلة)
* درب الآلام وحكاية الألفي عام (مهند الأخرس)
* في زيارته إلى السودان .. أين ذهبت أخلاقية أردوغان؟ (مسلم أبوسن)
* فلسطين C’est La Vie (محمد إبداح)
* التحالف السعودي – الاسرائيلي (أسعد العزوني)
* سبع سنوات عجاف .. ونصر (عدنان الصباح)
* غطرسسة أمريكية ضد الحقوق الفلسطينية (عبد الله النملي)
* أيها العام الجديد (عز الدين المصري)

أعداد سابقة

       

       

إعلانات



Back to Top