المقال 


في زيارته إلى السودان

أين ذهبت أخلاقية أردوغان

::::: مسلم أبوسن - السودان :::::                          



 

نعم ربما لاتملك تركيا ولا يملك اردوغان الحق في مطالبة الانظمة الدكتاتورية بوضع شروط لقبول التعامل معها مثل تلك التي ترتبط بالديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات ولكن مع ذلك كان يجب على اردوغان ان يربط مساعداته المتدفقه منذ اعوام على هذا النظام الحاكم في السودان بما في ذلك زياراته بنوع من الشروط الإنسانيه مثلما تفعل الامم المتحدة ووكالاتها المتخصصة وبعض القوى الدولية مساعداتها بشروط حقوق الإنسان ووالحكم الرشيد والنزاهة وغيرها، وان كنا قد راينا كيف كان الموقف الشخصي للرئيس التركي اردوغان من شخصي الاسد و السيسي، والحدة الكبيرة في التعامل مع الاخير في سلسلة طويلة من التصريحات وورفضه حتى الآن للقاءه برغم مايمكن ان تقدمة مصر من فائدة اقتصادية عظيمة لتركيا نظرا للقوة الاستهلاكية للبضائع التركية فاننا لانرى ذلك في التعامل مع السودان وهنا لايمكن التفريق بكثير منطق بين نظامي الاسد والسيسي والنظام الحاكم في السودان فجرائم مثل التسبب بشكل مباشر في انفصال ثلث تراب الوطن والحصار الذي يعانيه السودان منذ 28 عاما وهجرة اكثر من 9 ملايين سوداني في سنوات هذا النظام فضلا عن التشريد والقتل والتهجير الذي لازم تفجر قضيتي دارفور والنيل الازرق وجنوب كردفان في اعتقادي لايقل كثيرا عن ما اقترفته تلك النظم ،خاصة وان اردوغان قد اعتاد وتظاهر على اطلاق نصائحه ونداءآته الانسانية وعرف بمواقفه الاخلاقية ووقوفه الدائم في صف الجماهير والشعوب وضد الدكتاتورية والاستبداد ، ان كان الحال كذلك كان يجب على اردوغان ان يعلم ومذ الوهلة الاولى له في السودان الفرق بين الشعبي والرسمي في الاحتفاء به في الخرطوم فبينما تحتفي به الجماهير وعوام الناس والتي قابلتة ببقايا فرحة سرقتها من بين احزانها المتجددة وهي تنظر له كقائد شعبي ناجح ومنجز وبطل نهضة تركيا ومفجر طاقاتها و تتمنى من الله ان يرزقها مثلة، كانت الحكومة تنظر وتنتظر من هذه الزيارة ان تكسر عزلتها التي فعلتها بيدها وان تكسبها زيارة اردوغان شرعية البقاء في السلطة لاطول فترة ممكنه اطول وان تلبسها ثوب القبول والشرف والتباهي الزائف بانها واردوغان في درجة واحدة من الاحترام والمجد والانجاز وكان على اردوغان ان يعلم ان مجرد استقباله للبشير في اسطنبول او استقبال الاخير له في الخرطوم بمثل دعما كبيرا له كفيل بجعله يستهتر بمصير الشعب السوداني والتلاعب بمستقبله سنوات اخرى ، كان على اردوغان ان يعلم ان الله اكبر التي هتف وتهافت بها اعضاء برلمان "السوق والقبيلة" حوله ليست تلك التي يعرفها اردوغان في صدق ايمانه الخاص به وليس تلك التي يؤمن بها الشعب السوداني عن صدق واخلاص لكن هي العبارة التي بسببها لحق بالسودان مالحق للدرجة التي اصبح السودانيين يتحفظون في قولها بسبب استخداماتها الخبيثة عند النظام الحاكم واصبحت لسنوات كلمة الحق التي فعل بها الباطل وبمثل تلك القوة والجراة التي عهدته بها الشعوب ان يحدث النظام النظام السوداني ان الديمقراطية ليست كفرا بواح وان العلمانية ليست نفي للدين كان يجب ان يحدثهم بذلك وهم الذين يتظاهرون بسماعه وطاعته فضلا عن الاعجاب به وبتجربته مع عجزهم عن التقليد.

كان عليه ان يقنعهم بان العضوية لايمكن ان تكون منحة رئآسية او هبة وانما هي استحقاق وقوة ونقد ومحاسبة وان العضوية للنساء ليست غمغمة ثياب او عمعمة عمم وتصفيق وتهليل وتحليل.

كان على اردوغان ان يعي وهو العالم بالاقتصاد عن اي شراكة استراتيجية له مع نظام بينما يفتتح له مراف من قبيل
- "أول مسلخ ،أول مركز للولادة ، مسكن للطلاب الخ" اي شراكة واستراتيجية هنا ؟
- هل يعقل ان نظاما سياسيا ظل يحكم كل تلك الفترة من السنين لا يملك حتى الآن مجرد مسلخا حديثا او مستشفا متطورا للولادة او مجموعة ابار لمياه الشرب الصالحة هنا او هناك هل يعقل ذلك؟ عجبا ، كيف نطلق عليها شراكة استراتيجية والسودان وكاننا نتحدث عن الشراكة الولايات المتحدة واليابان ،كيف يمكن تخيل ذلك ونحن بهذا الوضع الاقتصادي المدمر والظروف الاقتصادية القاسية، والمضاغطات المالية المؤلمة التي تعانيها عملته وتداعيات المقاطعات الاقتصادية الاوروبية والاميركية التي ألقت بظلالها على علائق السودان مع كثير من دول العالم، اي شراكة استراتيجية هذه ونحن نفتقر للبنى التحتية الاساسية في الخرطوم العاصمة وانعدامها في العديد من الولايات وكيف لنا ذلك ونحن نفتقر لشارع واحد نموزجي في الخرطوم وبقية مرافق النقل والشحن–وباعتقداي توفر شبكة بنية تحتية في السودان او بصورة عامة أهم بكثير من إزالة القيود على التجارة، فالتحول الذي يخطط ان تشهده علاقات السودان بتركيا يتطلب تطوير بنيات تحتية ذات جودة، ، فهناك غياب شبه تام للخطوط الأرضية أو البحرية،والجوية هذا فضلا عن شكوى الجانب التركي من البيروقراطية والمماطلة الحكومية السودانية التي شكى منها كثيرا وبصفة صريحة السفير التركي السابق بالخرطوم جمال الدين ايدن الذي تشرفت بان اجريت معه حوار قبل ثلاث سنوات لم يكن ذلك بسبب ما يعتبرونه البعض ضعفاً للإرادة السياسية العربية وانما غليان السودان ومروره بتقلبات سياسية وصراعات داخلية قديمة وجديدة ومتجدده يمنع إحراز اي تقدم في تنفيذ هذه الشراكة، وهذا يعني باختصار انها لاتوجد بيئة سياسية سليمة لحمل واستقبال تلك الشراكة الاستراتيجية.

كان من الاجدى والاجدر باردوغان ان يحدث الشعب السوداني وخاصة الحكومة عن ان نجاحه الاقتصادي والقيمي معا لم يكن ليكوا بالاصل لولا احترامه لمبدأ علمانية الدولة التركية واسسهها البنائية المتينة ان التجربة التركية في نظام الدستور العلماني الديمقراطي اتاحت لحزبة الذي يتخذ من الاسلام وعاءا له الوصول للحكم، وكان عليه اذا ان يحدثهم عن كيفية الاستفادة من تجاربه في انتشال بلاده من هوةٍ اقتصاديةٍ معلومةٍ إلى مراقٍ ارتقت إليها تركيا، لتزاحم اقتصاديات دولٍ متقدمةٍ في النمو والازدهار الاقتصادي الذي تتوق وتحلم به جماهير الشعب السوداني وكم تمنينا لو انه خاطبه للشعب السوداني الذي بدأ يتحرر من أفكار من يحكمون ويكتبون تحت تأثير تشنج صدمة الحداثة ويتخلص من أفكار مصيدة الحركة الاسلامية السودانية فهناك قضايا حياتية ومصيرية وضرورية كثيرة يمكن مناقشتها مع السودانيين بدلا عن حديثة عن القدس ونظريات المؤامرة واصلاح مجلس الامن وان العالم اكبر خمسه ،نقول ذلك لما يتوافر عليه قوله من احترام هناك كما نظن ولمايمثله من فرصة لتفهم الحكومة ان ارادت الفهم ولكن المهم لتفهم الجماهير السودانية ان لا خلاص لها من التخلف الا بالدولة المدنية وبعلمانيتها وديمقراطيتها بعيدا عن الهرطقة والسيوقراطية التي غيبته عقودا وعقود.

كان عليه ان يعلم وهو يسعى لتطوير التعاون الاقتصادي وزيادة التبادلات التجارية وشراكاته الاقتصادية مع هذا النظام ان كل مايجنى من هذه الاموال لصالح السودان لايذهب الا للدعم السريع وميكانزمات الحفاظ على السلطة فالحرب في دارفور لم تبرح مكانها حيث لا زالت قوات الجنجويد المعروفة بقوات الدعم السريع ترتكب الفظائع في دارفور وانتهاكات حقوق الانسان في السودان ازدادت وتيرتها و مصادرة الحريات العامة بلغت مداها القصوى ولا زال المواطنون في جنوب كردفان يعانون من الجوع والمرض منذ سنوات ولا تزال الامراض والاوبئة تحصد الناس في بلدي كما تحصد السوخوي السوريين المدنيين.

كان على اردوغان وهو يقتتح المقار والآثار الجديدة والمعاد ترميمها في سواكن -كان عليه ان يتساءل ان السودان الذي عرف بانه واحد من اهم مراكز الوجود البشري القديم في العالم وأهم مناطق البحث الآثاري اصبح بفعل هذا النظام عبارة عن حرب ودماء وتوحش في تصور الآخر ويجهل الكثيرين مكانه في الخريطة السياسية الدولية بل والاغرب من ذلك ان اوكل هذا النظام امر السياحة في السودان لوزير ينتمي للجماعة الوهابية المعروفون بتشددها تجاه الآثار والتماثيل والمنحوتات التاريخية والفنون والرقص و"بناطلين الجنز" والكثير من المظاهر الحياتية تماما كما هو حال داعش التي دمرت الآثار العظيمة لمدينة الموصل واخرى.

كان على اردوغان ان يعلم كيف ان تلكم الجامعه جامعة الخرطوم التي كرمته بالدكتوراة الفخريه في القانون كيف عصفت بها اهواء تلك النظام المشؤومة وتحولت بعد ان كانت تربطها علاقة توأمة مع جامعة لندن كأول جامعة إفريقية مرتبطة بجامعة لندن وكانت من افضل ثلاثة جامعات في الوطن العربي وافريقيا قد تحولت بفعل هذا النظام الى جامعه نكره وتزيلت قوائم جميع التصانيف الاقليمية والعالمية كما هو الحال لكثير من المؤسسات السودانية المعرفية والخدمية والاقتصادية التي دمر هذا النظام الحاكم بعضها واعدم بعضها الاخر.

كان على اردوغان ان يعلم ان نفس القاعه "قاعة الصداقة" التي قدم فيها محاضرتة الفكرية بالامس كانت من قبل قد استقبلت "اردوغان ماليزيا" مهاتير محمد وقدم فيها محاضرته عن الحكم الرشيد وروى فيها قصص نجاح ماليزيا ونهضتها الاقتصادية، ورغم احتفاء الحكومة واستماعها الجيد لتلك المحاضرة وغيرها ولكنها لاتفعل شي ، النظام فقط المستفيد برغم انه يحكم لسنوات تغادل سنوات حكم اردوغان ومهاتير معا يحاول توظيف هذه الفعاليات في تبييض وتليمع صورته من اجل حصد المزيد من العمر والكسب السياسي ليس الاوكانه ينتظر ان يسجله تاريخ السودان انه النظام الذي استطاع البقاء اطول.

ان تنسى تركيا اردوغان ذلك وتطلق لنفسها العنان في التعامل بسخاء مع هذا النظام العجوز المستبد والملاحق قضائيا والمسؤول الاوحد عن التقسيم والضياع الذي ضرب وشقى الامه جغرافيا وبنيويا ان يتم تجاهل كل ذلك يظهر اردوغان وكأنه قد تخلى عن مبادئه ومواقفه الاخلاقية والتي هي بالاصل محل تشكيك عند الكثير من المراقبين ، هذا ان كان النظام الحاكم بالاساس يتفهم مثل هذه الامور الشفافة في التعامل مع تركيا .


 

عدد القراءات
مجلة الكاتب

عناوين أخرى في هذا العدد

* دايم دايم (رئيس التحرير)
* وطني عم يوجعني (د. وليم نصار)
* كل يغني على قدسه (يعقوب بن إفرات)
* لمحة عن توظيف الشعر والشعراء (أحمد صبحي منصور)
* هل الشعوب دائما على حق؟ (الهيموت عبد السلام)
* بريطانيا الاستعمارية وتدمير الكيانية الفلسطينية (خالد الحروب)
* الخمينية والوهابية تترنحان (ناجح العبيدي)
* الحوزة النجفية ومحاكم التفتيش الكاثوليكية (علي محمد البهادلي)
* الفاشية إذ تظهر بقناع الدفاع عن حرية الفكر (سعيد مضية)
* لماذا لم ينتفض أهل القدس على إعلان ترامب؟ (نادية حرحش)
* من ذاكرة حصار بيروت (فواز طرابلسي)
* المقاومة اللبنانية (صبحي ياغي)
* لا أحد يستطيع تزييف التاريخ (خالد براج)
* قرار الليكود بضم الضفة الغربية (إيهاب أبو عتيلة)
* درب الآلام وحكاية الألفي عام (مهند الأخرس)
* في زيارته إلى السودان .. أين ذهبت أخلاقية أردوغان؟ (مسلم أبوسن)
* فلسطين C’est La Vie (محمد إبداح)
* التحالف السعودي – الاسرائيلي (أسعد العزوني)
* سبع سنوات عجاف .. ونصر (عدنان الصباح)
* غطرسسة أمريكية ضد الحقوق الفلسطينية (عبد الله النملي)
* أيها العام الجديد (عز الدين المصري)

أعداد سابقة

       

       

إعلانات



Back to Top