المقال        


الدروز الفلسطينيون

من سياسة فرّق تسد البريطانية

إلى سياسة حلف الدم الصهيونية

::::: د. عز الدين المناصرة - فلسطين :::::                          


(الدروز)، عربٌ عرقياً، مذهبهم إسلامي توحيدي، متأثرٌ بالفلسفة القديمة

نشأ المذهب الدرزي في أحضان الدولة الفاطمية بمصر في فترة حكم (الحاكم بأمر الله، 996-1021م)، وتحديداً عام (1017م)، حين بدأ الحاكم يدعو الناس إلى (كشف عقائدهم بلا خوف ولا تستُّر)، ففي عام (1016م)، انتقلت الإمامة إلى مؤسس المذهب الدرزي: (حمزة بن علي بن أحمد الزوزني)، الذي وصل إلى القاهرة، حيث اجتمع بالدُعاة الثلاثة الأساسيين، وهم: (سلامة بن عبد الوهاب السامُرّي، ومحمد بن وهب القرشي، وإسماعيل بن محمد التميمي). هؤلاء الثلاثة مع (الإمام حمزة)، والإمام (بهاء الدين علي بن أحمد الطائي)، هم الحدود الخمسة العالمين. لكن (نشكتين الدرزي)، انقلب على الإمام حمزة، لأنه كان من غلاة التأويلية إلى حدّ (إنكار الظاهر)، بينما كان حمزة يقول: (إنَّ الظاهر والباطن، متلازمان، مثل الجسد والروح، لا غنى لأحدهما عن الآخر). وكان (الدرزي وأتباعه) قد حاصروا (حمزة) في مسجد (ريدان)، قرب قصر الحاكم بأمر الله، فقُتل (الدرزي) عام (1019م)، بمصر، ونُسب الروز (لاحقاً) إليه من باب الخطأ، حيث يتبرأ الدروز من (الدرزي القتيل). ونشأ (المذهب الدرزي) من المذهب الشيعي العلوي (الإسماعيلي) الفاطمي: بعد وفاة (الإمام جعفر الصادق)، انقسم أنصار (آل البيت)، وهم الشيعة العلوية إلى قمسين: القسم الأول قال بأحقية (إسماعيل) بن جعفر الصادق، بينما نادى القسم الثاني بأحقية (موسى)، الابن الثاني للإمام جعفر الصادق. فأطلق على شيعة إسماعيل، اسم (الإسماعيليين)، ومن سلالته (الحاكم بأمر الله الفاطمي)، وأطلق على أتباع موسى، اسم: (الموسويين). ابتدأت الدعوة الإسماعيلية بالإمام (محمد بن إسماعيل)، وهو (الإمام السابع) بعرف الإسماعيلية، ابتداءً من الإمام الأكبر (علي بن أبي طالب). وكان الإمام محمد بن إسماعيل، هو (الإمام السرّي الأول). ومن الناحية العملية، فالحاكم بأمر الله حاكم مصر الفاطمي، الذي كان يتبنى المذهب العلوي الشيعي الإسماعيلي، هو مؤسس المذهب الدرزي، المتأثر بالمذهب الإسماعيلي.

أما أصل (الدروز) في سوريا ولبنان وفلسطين (عرقياً)، فهو يعود إلى (قبائل عربية)، انضمَّت إليها عناصر (تركية وكردية)، امتصَّهم العنصر العربي، حسب (ماكس فون أوبنهايم، 1899-1900م). ويقول (أمين طليع)، (نزحت بعض قبائل (بني ربيعة) من شبه الجزيرة العربية إلى لبنان قبل الدعوة الدرزية بمئتي سنة تقريباً، أي في بداية القرن الثالث للهجرة. وبعد الدعوة توطّن الدروز في جبل لبنان، لا سيّما قضاءي: (الشوف، والمتن)، فكانت (بسكنتا) أول عواصمهم، كما توطّنوا في (بكفيا، البترون، ودير القمر). ونزل آخرون في أقضية: (حاصبيا، راشيا، المعروفة باسم وادي التيّم، وفي البقاع ووادي العجم، وغوطة دمشق، وجبل الدروز، والجبل الأعلى شمال سوريا)، وفي (صفد وجبل الكرمل من أعمال فلسطين): توطّن (بنو تيم الله) بن ثعلبة في وادي (التيم)، ونزل (بنو كلب) في البقاع الممتد من بعلبك وحمص. واتخذ (بنو هلال) بن عامر بن صعصعة الجبل الدرزي موطناً لهم، أما (بنو عجل) بن عمر من آل عبد القيس فقد نزلوا في الشوف، فسمّاهم جيرانهم بالعجول، وعاصمتهم (بْعقلين). جاء (بنو معن) بن زائدة إلى بعقلين، فاتخذوها عاصمة لهم، وكانت (دير القمر) عاصمتهم الثانية، وهم أمراء لبنان الذي أنجبوا (فخر الدين المعني الكبير).أما (التنوخيون)، فقد اتخذوا (عين دارة) قاعدة لهم. ثم نزح قسم منهم إلى (عْبية)، وسكن البعض الآخر في (كفرمتى)، وتوطن (بنو القاضي) في قرية بيصور من قضاء عاليه. ومن (بني لخم) مناذرة العراق، جاء الأمير عون، وأنجب أحفاداً من بينهم (أرسلان بن مالك) – طليع، ص 19-21).

وقد جاء في تقرير (وكالة رويتر، 1985)، أن عدد الدروز هو: (لبنان (300 ألف)، وفي سوريا (700 ألف)، وفي فلسطين (65 ألفاً)). وكان عدد الدروز في (لبنان) عام 1931، هو: (88.131 نسمة)، وأنَّ عدد دروز سوريا ولبنان عام 1961 هو (ربع مليون نسمة) حسب (طليع). فالدروز، عربٌ أصليون، مسلمون، موحّدون، والمذهب الدرزي الإسلامي هو أحد المذاهب الإسلامية، الذي انشقّ عن المذهب الشيعي الإسماعيلي الفاطمي، تأسس عام 1017م على يدي الإمام حمزة العلوي الزوزني في زمن حكم الحاكم بأمر الله الخليفة الفاطمي. ويسكن الدروز في (سوريا، ولبنان، وفلسطين).

العقيدة المذهبية الدرزيَّة:

هو مذهب إسلامي توحيدي، نَتَجَ عن العقيدة الشيعية العلوية (الإسماعيلية) وامتصَّها، وقد تأثر المذهب الدرزي بالفلسفات القديمة، خصوصاً: (المثالية الأفلاطونية)، وفلسفة (إخوان الصفا)، و(المعتزلة)، وفلسفة الكندي، والفارابي، وابن سينا، حول (الظاهر والباطن). ونتيجة لاضطهاد الشيعة من قبل الحكّام، التزموا مسألة: (الستر، والعُزلة) لحماية عقيدتهم، وهذا ما جعل البعض يقوم بتشويه تفسير العقيدة في مرحلة (الأئمة المستورين)، مستغلين هذا (الستر) في بعذ المراحل. كما استغل البعض تأثر المذهب الدرزي، بالفلسفات القديمة، ليقوم أيضاً بتشويه هذه العقيدة!!. وفي عام (1968)، أصدرت (لجنة الفتوى بالأزهر)، فتوى شهيرة، بعد اطلاعها على تفاصيل (المذهب الدرزي)، وقد جاء فيها ما يلي: (ثبت عن رسول الله (محمد) أنه قال: (بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنَّ محمداً رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا). ومن هذا يتضح أن الإسلام الكامل يتحقق ظاهراً لمن أتى بهذه الأركان الخمسة مختاراً. وجاء في حديث آخر: (من قال لا إله إلاّ الله، محمداً رسول الله، دخل الجنة). وجاء كذلك في حديث ثالث: (أُمرت أن أقاتل الناس، يشهدوا أن لا إله إلاّ الله، وأني رسول الله، فإذا قالوها، فقد عُصموا من دمائهم وأموالهم إلاّ بحق الإسلام وحسابهم على الله). ومن هذا يتضح أيضاً أنّ (من نطق بالشهادتين مختاراً، فقد ثبت إسلامه)، مع ملاحظة التفاوت في قوة الإسلام، وضعفه بالنسبة لمن أتى بالأركان الخمسة، (ومن اقتصر على الشهادتين فقط). وحيث أن (طائفة الدروز)، كما جاء بالاستفتاء – (ينطقون بالشهادتين، ويؤمنون بالقرآن، وبما جاء فيه من أحكام تتعلق بالتوحيد والتشريع، ولا يحصل منهم بجانب ذلك إشراك لأحد مع الله، ولا مناقضة للإسلام، فإن اتهامهم بعدم الإسلام، يثير الفرقة بين الجماعة الإسلامية، ولذلك نهى الله عن هذا الاتهام بقوله تعالى: (ولا تقولوا لمن ألقي إليكم السلام، لست مؤمناً... والله تعالى أعلم)) – (رئيس لجنة الفتوى بالأزهر، 10/12/1968). ويشرح (طليع): (ركائز فلسفة مذهب التوحيد الدرزي) على النحو التالي:

1. الدين: يعتقد الموحدون الذين أطلق عليهم اسم الدروز، أن جوهر الدين هو أن يكون الإنسان ذا ضمير نقي، وأن القوانين العادلة صادرة عن (العقل)، فمن يحترم القوانين العادلة، يحترم العقل، والنظام الإلهي، والإنسان بطبيعته مفطور على الخير.

2. الله: لا إله إلاّ هو لا شريك له، خالق السموات والأرض. خلق الأشياء كلها بالقوة، وضمَّنها الكائن الأول الذي صدر عنه، ثم أخرجها من القوة إلى الفعل. فالموحّد لا يعبد شخصاً، ولا صُوراً بل يعبد إلهاً أزلياً.

3. العقل: جوهر بسيط روحاني، وفيض من نور الله الذي لربه اجتمعت فيه صور الموجودات، وأول الحدود الروحانية، الخاضع لربه ومبدعه. فالعقل صادر عن باري الوجود، وتابع له إتباع الملاصق للسابق، والمعلوم للعلة، وهو حجة الله بين مخلوقاته.

4. النفس: تأتي النفس في المرتبة بعد العقل، وهي فيض منه، وجزءٌ متمّمٌ له، انبثقت عنه، فنُسبت إلى العقل، كنسبة العقل إلى الخالق. وبواسطة النفس تصل الأجسام إلى أفصل أحوالها، فهي الحدّ الثاني من الحدود الروحانية. وأفعال النفس هي: تدبير ونيَّة واعتقاد وقول، وعمل. أما كمالات النفس فهي: صفاء، يقين، طاعة، يقظة، ومواظبة...

5. الكلمة: إذا كان العقل مدبراً بأمر ربه،فالنفس تصور هذا الأمر وتجسمه. أما ما يخرجه إلى الناس، فهي (الكلمة) التي تنطق بالأمر الصادر. فالعقل مدبر، والنفس صورة، والكلمة تخرج الصورة بشكل محسوس، وتنطق بما يوحيه العقل وتعبُّه النفس. فالكلمة هي ثالث الحدود الروحانية.

6. التقمص: الجسد قميص للنفس، بل ثوبٌ يُخلّقْ وبيت يتهدّم. فإذا بليت القميص، انتقلت النفس إلى قميص آخر.

7. يوم الدينونة: يعتقدون أن (حساب النفس) هو ما فعلته من خير أو من شر، مُرْجأ إلى يوم ينصب فيه ميزان الحق، وعندها ينال الصالح ثوابه، ويقع على الطالح، العقاب.

8. التسيير والتخيير: الإنسان مُسيَّر ومُخيَّر في آن واحد، فهو مُخيَّر فيما يحدُّه عقله ويصل إليه إدراكه، ومُسيَّر في الأمور التي لا قِبَل له بها، إذْ لا يحدّها العقل، ولا يصل إليها الإدراك – طليع، ص 110-129).

- يقول الألماني (ماكس فون أوبنهام)، بأن (المذهب الدرزي)، يؤكد بشكل صارم على (وحدانية الله)، وهم يسمّون أنفسهم (موحّدين)، ولا يحبّون تسميتهم بـِ(الدروز)، وحسب رأيهم: يُشكل مذهبهم، الصيغة العليا للفلسفة، فهم يزعمون أن (إخوان الصفا)، والمدارس الفلسفية الصوفية في الإسلام، والمفكرين الإغريق والهنود والفرس الكبار، هم جميعاً أسلاف لأفكارهم، وأن باب العقيدة أغلق منذ (اختفاء الحاكم بأمر الله). تتجلى أفكار المذهب الدرزي الفلسفية في (كتب الحكمة الستة)، التي تنسب لمولاي بهاء الدين، والحاكم بأمر الله، وفي القرن الخامس عشر الميلادي، تمَّ تفسير هذه الكتب من قبل الأمير عبد الله التنوخي، وقبره في قرية (عْبيَّة) في لبنان. ولا يعرف أسرار المذهب، سوى (العُقَّال)، وهؤلاء وحدهم يشاركون في (الخلوة). وتعني كلمة (عاقل): من يتمتع بروح المعرفة والحكمة. فالمذهب الدرزي التوحيدي، مرتكزه الأساسي هو الإسلام – أوبنهايم، ص 54-60 بتصرف). أما (نجلاء أبو عزالدين)، فتقول إنه: (بعد غيبة الحاكم بأمر الله، (في صحراء حلوان)، استتر (حمزة) في مكان في القاهرة يعرفه (بهاء الدين الطائي)، ومعه الحدود الثلاثة. وسكنت الدعوة طيلة سنوات المحنة. وفي عام (1027م)، تلقى بهاء الدين كتاباً من حمزة يأمره أن يؤلف الرسائل وينشر الدعوة. فباشر بهاء الدين العمل، وقام بتأليف الرسائل، وبث الدعاة، ناهضاً بأعباء الدعوة في غياب الإمام. ثمَّ ودّع بهاء الدين، الموحدين في منشور الغيبة، وانقطعت الدعوة، وأُغلق باب الدخول في الجماعة. استمرت دعوة بهاء الدين سبع عشرة سنة. وكانت آخر رسائله المؤرخة عام (1043م). فرسائل (بهاء الدين)، بالإضافة إلى ما ألّفه (حمزة)، وعدد قليل كتبه (إسماعيل التميمي)، تؤلف كتب الدروز الدينية، وتدعى (الحكمة الشريفة). عدد هذه الرسائل هو (مئة وإحدى عشرة رسالة)، جمعت في (كتب الحكمة الستة). وتقول رواية أخرى أنها تتألف من (24 كتاباً). ويُعتقد أن الحاكم بأمر الله هو مصدر الإلهام لما كتبه (حمزة) – (أبو عزالدين، ص: 135-138). وتضيف بأن (كتب الدروز توصي بعد الإقرار بتوحيد الباري تعالى، بخصال سبعة: أولها صدق اللسان، وثانيها: حفظ الإخوان، ثم التبرؤ من المعتقدات التي تنافي التوحيد، والوصية الخامسة: الاعتقاد أن مذهب التوحيد كان في كل عصر وزمان، والسادسة: الرضى بفعل الله، والسابعة: التسليم لأمره). كما أن مذهب الدروز هو مسلك (صوفي عرفاني)، يصفونه بـِ(المسلك الثالث) – (أبو عزالدين، ص: 147-148). وقد حرَّم الدروز (تعدُّد الزوجات)، ونادوا بـِ(إلغاء الرقّْ).

دروز فلسطين:

يقول (أوبنهايم)، عام (1899-1900م)، أن عدد دروز (صفد) هو نحو (15 ألف درزي). أما (نجلاء أبو عز الدين)، فتقول: (يعود وجود الدروز في فلسطين إلى مستهل قيام الدعوة الفاطمية (الدرزية). وكان (الموحّدون الفلسطينيون) يسكنون الساحل بين (غزة، وعكا)، وفي الداخل (من عكا إلى (صفد)) في الجليل الأعلى. وفي (رسالة) بعثها (بهاء الدين) إلى الجماعة في فلسطين، ورد ذكر عدد من (المشايخ). ولا تذكر الرسالة أماكن إقامتهم، غير أن (الأشرفاني) يذكرها. وكان كبير مشايخ (ساحل عكا) هو (أبو السرايا) من قرية (يركا) الواقعة في الجبل فوق عكا، حيث كانت لا تزال تعيش سلالته، ويُزار قبره في القرن السابع عشر. وكان من عادة مشايخ قرى الدروز أن يجتمعوا في كرم يحوي أشجار زيتون عتيقة يقع بين هذه القرى. وفي جنوب فلسطين، كانت (غزَّة، عسقلان، أسدود، والرملة)، مراكز للموحّدين. ففي (1036م) أقام (بهاء الدين) في الرملة، حيث وفد إليه (موفد الأمير جاتا بن صومار راجا بال)، وسلَّمه كتاباً من الأمير الهندي. وكانت في (الرملة) تحفظ رسائل ووثائق سريَّة نقلت لاحقاً إلى (عسقلان وغزة) في قماطر تخص الإمام بهاء الدين. أما (جماعة الموحدين) في الشمال الفلسطيني، فقد استمرت تستقبل قادمين جُدداً من جبل لبنان، ووادي التيم، ومنطقة حلب. وجاء عدد كبير منهم في العقود الأولى من القرن السابع عشر، عندما أصبح (سنجق صفد) جزءاً من إمارة فخر الدين معني الثاني. وخلال القرن التاسع عشر تقلص عدد الدروز في فلسطين، بسبب رفضهم للخدمة العسكرية التي فرضها إبراهيم باشا المصري، وبسبب الضرائب الباهظة المرهقة، بحيث أقفرت القرى الفلسطينية العربية الدرزية - (أبو عزالدين، ص: 167-169). ويقول (سعيد نفَّاع – فلسطيني): (الدروز عربٌ عرقاً، شيعة إسماعيليون إسلاميون، أصلاُ ومذهباً. أما (حالياً)، فهم أقرب إلى (السُنَّة)، وهم اليوم بين السُنَّة، والشيعة، تأثروا كذلك في اجتهاداتهم بالفلسفة الإغريقية، والشرق آسيوية، والمصرية، والديانات السماوية – لكن الأساس هو (القرآن الكريم)، بتفسير (باطني) - (نفّاع، ص: 15). ويقول (كمال جنبلاط): (أساس عقيدة الدروز قائمٌ على طلب الحكمة العرفانية في اليونان ومصر وفارس والإسلام في آن معاً). ويضيف (سعيد نفّاع): يقطن الدروز الموحدون الفلسطينيون في قرى شمال فلسطين: (يركا، جث، ميماس، الحنبلية، السافرية، عين عاث، والجرمق، بيت جن، البقيعة، الجش، خط (لوبية) شرقاً وحتى الكرمل غرباً، حيث بلغ عدد القرى (سابقاً)، (12 قرية) بقي منها اليوم اثنتان (الدالية، وعسفيا)، كذلك بقيت قرية (جولس)، والمطلة، والجاعونة. وكانت في الماضي قرى: سلامة، الشلالة، الدامون، بستان، الرقطية، جلمة، سماكة، أم الزينات، الخربة، حليمة المنصور، والمنصورة)، وبلغ عدد دروز فلسطين عام (1887م) – (7860 نسمة). أما في عام (1880 – 1991م)، فقد كانوا في شمال فلسطين (2752 نسمة). أما إحصاء شوماخر (1886م)، فهو (7360 نسمة) في فلسطين كلها. أما في القرن العشرين، فقد كان عدد الدروز في فلسطين كما يلي: عام 1922، (6928 نسمة). عام 1931، (8823 نسمة). عام 1945، (14858 نسمة). عام 1949، (13132 نسمة)، موزعين على القرى التالية: (دالية الكرمل، كسرى، عسفيا، الرامة، شفا عمرو، يانوح، المغار، كفر سميع، يركا، جث، بيت جن، كفر ياسيف، جولس، حرفيش، ساجور، البقيعة، أبو سنان، عين الأسد) - (نفاع، ص: 18-20).

1.
سعيد نفَّاع: الدروز الفلسطينيون قبل 1948 :

عندما زار اليهودي البريطاني (لورانس أوليفانت)، فلسطين في الفترة (1882-1885)، سأل (دروز فلسطين) بعد أن زار (قبر النبي شعيب)، حول الأسطورة اليهودية عن (زواج النبي موسى بابنة شعيب)، وكان جوابهم آنذاك: (هذه قصة مختلفة غير صحيحة إطلاقاً، لأنَّ النبي شعيب، حسب معتقدهم، معصوم، لا يتزوج). لكنَّ (أوليفانت)، يستخدم في كتاباته مصطلحي: (الأمَّة الدرزية)، و(الشعب الدرزي)، ويعلق الباحث (سعيد نفاع) في كتابه (العرب الدروز) قائلاً: (هذا يدلّل على أن المؤامرة الصهيونية عميقة الجذور، تهدف إلى اختلاق (قومية درزية) غير موجودة في الواقع، بفصل الدروز وهم عرب مسلمون عن قوميتهم العربية، ودينهم الإسلامي، فنحن تجاه كتابة أوليفانت، أمام دراسة تجهّز الأرض من أجل احتلالها، لأنه عميل بريطاني أرسلته الحركة الصهيونية إلى فلسطين لدراسة أحوال أهلها من أجل استعمارها. وبالفعل بدأت الحركة الصهيونية في استملاك الأراضي بطرق ملتوية في ظل الدولة العثمانية (الرجل المريض)، وحدث أول صدام مسلَّح بين الفلاحين العرب الفلسطينيين، والغزاة الصهاينة عام (1886)، عندما ثار الفلاحون المطرودون من قريتي: (الخضيرة، وملبّس (بيتح تكفا))، وقراهم المغتصبة التي أجلوا عنها رغم إرادتهم، ودفعت المصادمات الحكومة العثمانية عام 1887م إلى فرض القيود على هجرة المستوطنين اليهود الذين كانوا يدخلون فلسطين كسُيَّاح ثم يبقون فيها. وفي سنة (1955م) اشترت إحدى الشركات أراضي واسعة في قرى: (السجرة، يمَّة، مسحة، المناحمية، في لواء طبريا)، وبدأ كبير موظفي البارون روتشيلد، بتسجيل هذه الأراضي، بمساندة من (رشيد بك، والي بيروت)، حيث كانت قائمقامية طبريا تابعة له. لكن قائمقام لواء طبريا (أمين أرسلان)، دافع عن الفلاحين،ورفض تسجيل الأراضي في سجلات القائمقامية، معارضاً بيع الأراضي لليهود على مدى السنوات (1899-1908م). وفي عام (1886م)، كان عدد سكان قرية (الجاعونة) هو (375 نسمة)، وكان اليهود قد اشتروا عام 1882، (4 آلاف دونم) من أراضي (الجاعونة)، بنفس الطريقة المعهودة – أي حصلت الحركة الصهيونية على هذه الأراضي من ملاكين من خارج فلسطين من (عائلات: سرسق، تيان، تويني، مدوّر)، في بيروت كانت تمتلك هذه الأراضي، ومن عائلات إقطاعية فلسطينية (كسّار، روك، حجّار، ووجهاء من الرملة وصفد)، حيث تضغط الدولة العثمانيين على الفلاحين لدفع الضرائب، وبما أنهم كانوا غير قادرين، عندئذ تباع الأراضي في (المزاد العلني) دون أخذ رأي الفلاحين طبعاً. كانت الصفقات تتم ويلتزم المشترون اليهود، بدفع الديون المترتبة على الفلاحين، ويعملون مباشرة على طردهم من الأرض. يقول أحد نشطاء الحركة الصهيونية (يتسحاك أفشتاين) أمام المؤتمر الصهيوني: (وعندما نشتري قطعة أرض، نبعد عنها مزارعيها، ولا يزال حتى اليوم يرنُّ في أذني (نحيب النساء العربيات الفلسطينيات)، اللواتي أجبرن مع عائلاتهن على الرحيل من قرية الجاعونة، التي بنينا مكانها، مستوطنة روش بينا، حيث رحلوا إلى حوران، وركب الرجال على الحمير، ومشت النساء وراءهم باكيات، ملأ السهل، نحيبهُن). ولاقت (قرية المطلَّة)، نفس المصير، وهي قرية كان يسكنها فلسطينيون دروز، وكان زعيمها الدرزي هو الشيخ (علي الحجَّار)، الذي قاوم الدولة العثمانية ومظالمها. وفي أحد الأيام، استدعي (الحجَّار) إلى القائمقام التركي (رفعت بابان بك) في (جديدة مرجعيون)، وعادت فرس الشيخ إلى (المطلة) دون فارسها، حيث عثر على الشيخ قتيلاً، قرب نبع الحمّام في (مرجعيون)، وكان القائمقام وراء مصرعه. ويبدو (حسب الباحث) أن إزالة الشيخ من الطريق، سهَّل عملية اقتلاع الدروز من قرية (المطلة)، وتسليمها لليهود قبل نهاية القرن التاسع عشر. وكان يسكنها (مئة عائلة درزية)، ولأن مالكيها الاقطاعيين الملتزمين بدفع ضرائبها لم يستطيعوا جمع حصصهم من الفلاحين، لجأوا إلى الوالي العثماني لإجبار الفلاحين على الخروج، وكانوا (600 نسمة)، فأجبروا على الرحيل من مسقط رأسهم (المطلة)، وتم إسكان (60 يهودياً)، في بيوت الدروز. وفيما يلي نختار مقتطفات من كتاب سعيد نفاع: (العرب الدروز):
1- منظمة الكفّ الأخضر المسلحة (1929-1930):
بعد (ثورة البراق، 1929)، ظهرت منظمة مسلحة تعمل في منطقة (صفد، عكا، سمخ)، كانت تتألف من 27 شخصاً، اشتركوا في ثورة البراق، واضطر أفرادها نتيجة لذلك إلى الإلتجاء إلى التلال المحاذية للحدود السورية، كان (منظمة الكف الأخضر)، أول تنظيم مسلح بعد ثورة البراق تأسّس في (أكتوبر 1929) بقيادة الدرزي الفلسطيني (أحمد طافش) من قرية (قدس)، شمال صفد، وقد شنت هذه المنظمة المسلحة هجوما على الحي اليهودي في صفد في نوفمبر 1929. وظهر رجال الكفّ الأخضر في قضاء عكا، حيث أعدوا كمائن لدوريات البوليس. واعتقل (16 فدائياً) من رجال الكف الأخضر. وفي (22/2/1930)، كتب المندوب السامي (تشانسلور)، تقريرا قال فيه: (يبدو أن الكف الأخضر عادت إلى التجمع من جديد، وأن الإنجليز يحضرون لعمليات قمع عسكرية ضد الثوار). لقد نجحت (الكف الأخضر) في شن هجمات على صفد وعكا والقدس، لكن (قوات الحدود الأردنية) في أوائل صيف 1930، ألقت القبض على قائد منظمة الكف الأخضر (أحمد طافش)، وسُجن في عكا، وحكمت محكمة الجنايات في حيفا عليه بالسجن (15 عاماً)، وكان قد شارك في هذه المنظمة الفدائية الفلسطينية، عدد من ثوار جبل العرب (السويداء)، الذين شاركوا في الثورة السورية الكبرى. أما في العمل السياسي لقضية فلسطين، فقد شارك من الدروز (شكيب أرسلان) الشخصية اللبنانية الدرزية المعروفة، وعجاج نويهض، وعادل أرسلان، وهاني أبو مصلح، وعلي ناصر الدين، وفريد زين الدين، وغيرهم .

2-
الدروز الفلسطينيون في ثورة 1936

أما في (الثورة الفلسطينية الكبرى) عام 1936، حيث نفذ الثوار الفلسطينيون (4036 عملية عسكرية)، استشهد فيها (244 ثائراً)، وقتل من اليهود (80 يهودياً)، وقتل أيضاً (33 عسكرياً بريطانياً)، وضعت الحركة الصهيونية استراتيجية لشق (الدروز) عن باقي أبناء الشعب الفلسطيني، التي وضعها (اسحق بن تسفي)، الذي أصبح الرئيس الثاني لدولة إسرائيل لاحقاً، حيث يقول: (يجب أن نأخذ بالحسُبان (الدروز)، فبينهم يوجد مخلصون مثقفون يرغبون في التعاون، ويجب زيارة الوجهاء الدروز، وأن نقدّم لهم مساعدة قانونية بتعيين محام لهم من حيفا أو صفد أو طبريا إن وجد، لرفع الضغوط التي يتعرضون لها من قبل السلطات البريطانية، والضغوط التي يتعرضون لها من قبل الطوائف المسلمة، والمسيحية)!!. لكن قيادة الثورة الفلسطينية، وزعت بياناً (29/4/1936) امتدحت فيه (الطائفة الإسلامية الدرزية)، (بني معروف)، لدورهم الكبير في أمن وسلامة أرض الأجداد المقدسة (فلسطين). ويبدو أن (الشيخ نجيب منصور)، شيخ قرية (عسفيا)، وهو ناشط في الحركة القومية العربية، كان على صلة بالمنظمات الثورية المسلحة، ويعمل لصالحها، كما جاء في رسالة اسحق بن تسفي (21/9/1936) إلى موشيه شاريت.

وقد أفادت التقارير العسكرية البريطانية في أواسط 1936، أنَّ (عصابة درزية) ثورية، قوامها قرابة (30 رجلاً)، بدأت تعمل في ضواحي (طبريا)، وأخرى مختلطة من (عَسْفيّا، الطيبة، إجزمْ، الطنطورة)، تعمل في ضواحي (حيفا)، ضد بريطانيا، والحركة الصهيونية. والتحق (الدروز الفلسطينيون) بالمتطوعين القادمين من سوريا ولبنان، تحت قيادة (فوزي القاوقجي)، حيث قسَّم الثوار إلى أربع سرايا، كانت من بينها (السرية الدرزية) بقيادة (حمد صعب)، الذي عمل في منطقة طولكرم، شمالي قرية (بلعا)، وقد زوَّدها أهالي بلعا بالامدادات الغذائية. خاضت هذه السرية، أولى معاركها ضد القوات البريطانية (يوم 10/8/1936)، لكن أشد معاركها كانت يوم (3/9/1936)، حيث استخدم البريطانيون، الطائرات. وكان من نتائجها: إسقاط طائرتين، ومقتل طيار، وثلاثة ضباط. واستشهد من الثوار (تسعة رجال)، دفنوا في قرية (عنبتا)، من بينهم (محمد أبو يحيى). وشكل (الشيخ سلمان الغضبان)، مختار قرية (البقيعة)، قائد منظمة الجليل الغربي، فصيلا يتكون من (60 رجلاً) من قرى المنطقة، غالبية مجاهديه من دروز المنطقة. وخاض الفصيل أولى معاركه على طريق (نهاريا – ترشيحا)، يوم (9/7/1936)، قتل فيها ثلاثة بريطانيين، وجرح أربعة. أما الفصيل فقد خسر (29 شهيداً، و8 جرحى) بنيران الطائرات، واعتقل الشيخ سلمان لاحقاً، وأودع سجن الصرفند، إلا أن الفصيل، شنَّ يوم (28/7/1936)، هجوما على محطة (ترشيحا) العسكرية خلال تواجده في السجن. وأطلق سراحه يوم (10/11/1936)، وفي عام (1937)، هاجم الغضبان بفصيله، القوات البريطانية مرَّة أخرى على طريق (نهاريا – ترشيحا)، (واستشهد الشيخ سلمان الغضبان) مع ثلاثة من رجال الفصيل، هم: (محمد الغضبان، يوسف خير (البقيعة)، وصالح شومري (كسرى)، وجرح اثنان من البقيعة هما: اسعد بكرية، ونايف عامر). وهناك مجاهدون آخرون من الدروز الفلسطينيين، شاركوا في الثورة، منهم: (غضبان الدبيسي، سالم رشيد، أحمد الحلبي، حسن يوسف بهاء الدين، محمد علي زين الدين، قاسم زهر الدين، سلمان طرفه، محمد سعيد، نجيب ذباح، ابو نايف يوسف مشلب، سعيد ربيعة، محمد خطيب، أبو فايز مزيد خير، سعيد يوسف فلاح). واستشهد (أبو خضر)، ويوسف صالح خير، فارس سليم نخلة، نوفل غانم) وغيرهم: استشهد أيضاً كل من: عبد الله أبو شاهين، حسين شاهين، صالح شوفانية، مهنا صالح شاهين، كنج جاد سعد، وهم من (شفا عمرو). كذلك توجه (30 مناضلاً) من شمال فلسطين (أكثرهم من الدروز)، ومن سوريا ولبنان إلى (جبل أبو فرح)، قرب (دير الغصون)، استشهد منهم (13 مجاهداً)، بنيران الطائرات البريطانية، دفنوا في مقبرة دير الغصون. وفي التقارير الصهيونية، ورد أنه (دخل مؤخراً، 15/10/1936)، (170 رجلاً من سوريا وشرق الأردن) من بينهم (15 درزياً)، وهذا يدلّل – حسب (اسحاق بن تسفي) – أن زعماء الدروز لم يوقفوا عملياتهم ومساعداتهم، بل العكس). وكتب (يوسف نحماني) (الصندوق القومي اليهودي)، رسالة إلى شيوخ طائفة الدروز يقول فيها: (في الفترة الأخيرة، تصلني معلومات أن هناك دروزا شركاء في عصابات الإرهاب (الثوار) تهاجم اليهود، وهذا يثيرا استغرابي جداً... لا تنسوا أنكم (أقلية) في هذه البلاد وتنتظركم الويلات من جيراننا العرب) الفلسطينيين !!.

3-
خطة صهيونية لترحيل الدروز من فلسطين:

بعد زيارة (فايتسمان) عام 1920 لفلسطين، وضع برنامج صهيوني جاء فيه: (بناء بديل للقيادة الوطنية الفلسطينية عن طريق دعم (المعارضين) لهذه القيادة، وتعميق الفارق في المجتمع الفلسطيني عن طريق إبعاد (البدو) عن باقي العرب، وزرع الفتن بين (المسيحيين، والمسلمين، والدروز). وقد نشطت الحركة الصهيونية بين الدروز منذ عام (1927) تقريباً، حيث استطاعوا تجنيد (حسين أبو ركن)، (مختار عسفيا) لصالح الحركة الصهيونية، لكن (الثوار) أعدموه يوم (27/11/1938)، قرب (كوكب أبو الهيجا)، وكان (هذا) يتلقى الأوامر من (اسحق بن تسفي)، مسؤول (ملف الدروز) في الحركة الصهيونية، ثمَّ يسرد الباحث قصة تعاون (يوسف العيسمي)، وهو درزي مقرب من سلطات باشا الأطرش (قائد الثورة السورية) مع الحركة الصهيونية،حيث يبدو أن (العيسمي) هو الذي تداول مع الحركة الصهيونية (خطة ترحيل دروز فلسطين)، يقول الباحث (سعيد نفاع): (في سنة (1938)، تم التداول من جديد، وبسرية تامة في مشروع نقل الدروز للتوطين في جبل الدروز (السويداء)، وتحديدا من (قرى الكرمل)، وقد صيغت الخطة كذلك بسرية تامة، باشتراك قسم من القيادات الدرزية على يد رؤساء الوكالة اليهودية، وبموافقة الوجهاء الدروز. وكان وراء هذه الخطة من اليهود: حاييم وايزمان، رئيس الوكالة اليهودية، وآبا حوشي، سكرتير مجلس عمّال حيفا، ودوف هوز، نائب رئيس بلدية تل أبيب). وتحرك نشطاء الحركة الصهيونية في سوريا ولبنان، شارحين الأمر على النحو التالي: (هناك اعتداءات وحشية من قبل الثوار الفلسطينيين على الدروز، وأن الحركة الصهيونية تقدم (المساعدات الإنسانية!!)، للدروز في فلسطين). وكتب (أهارون حاييم كوهن) في تقرير له: (هناك إمكانية قائمة لنقل الدروز إلى جبل الدروز في سوريا). وعملت الحركة الصهيونية على تأسيس ما أسمته (تحالف الأقليات): (دروز جبل العرب بعد ترحيل الدروز الفلسطينيين إليه، والعلويين في شمال سوريا، والأكراد في منطقة الجزيرة السورية). واقترح كبداية ترحيل (عشرة آلاف درزي فلسطيني)، كما ورد في التقارير الصهيونية. وقد أفشل الخطة، (سلطان باشا الأطرش)، وهاجمها (علي الأطرش)، عندما عُرضت عليه من قبل (يوسف العيسمي)، فقد رفضها، (حتى لا ينظر إلينا إخواننا المسلمون السُنًّة، نظرة الشك، والخيانة).

ويقرر الباحث (سعيد نفاع) أن (مثلث مؤامرة الترحيل هم: الصهيونية، يوسف العيسمي، والمتعاونون الدروز داخل فلسطين). واستطاع الصهيوني (آبا حوشي)، وبالتعاون مع (لبيب أبو ركن)، تسليح مجموعة من الشباب في (عسفيا)، كانوا نواة (فرقة الأقليات في الهجناه) لاحقاً. وفي عام (1940م)، كتب (اسحق بن تسفي) إلى موشيه شاريت ما يلي: (علينا أن نساعد التيار الذي يصبو إلى التحرر من سلطة (المفتي)، وممثليه بين دروز (فلسطين) بطريقة احتيال ملائمة، ونقوي الشراكة والصداقة معهم، وأن نساعد الدروز في تسويق محصولهم من التبغ على قاعدة: (أنا أعطيك، مقابل أن تعطيني)، وعلينا أن نكثف الزيارات المتبادلة معهم).

4-
الدروز، وحرب 1948:

انطلقت من سوريا فرقتان: واحدة من (إقليم (البلاَّن)، شمال هضبة الجولان، يقودها (أسعد كنج أبو صالح)، وفوج من (الجبل) يضم (500 متطوع)، وهو مؤلف من (أربع سرايا) بقيادة (شكيب وهَّاب)، هذا الفوج العربي الدرزي كان تابعاً لقيادة (جيش الإنقاذ) بقيادة فوزي القاوقجي. وساند الفوج دروز القرى العربية في شمال فلسطين، وفي ذات الوقت كان فوزي القاوقجي يخوض (معركة مشمار هعيمك) ضدّ (قوات الهجناه الصهيونية)، وكانت معركة طاحنة، كاد القاوقجي يحسمها لصالحه، لولا تدخل القوات البريطانية. أما (فوج شكيب وهّاب)، مع بعض المتطوعين من دروز فلسطين، فقد رابط في (شفا عمرو)، وخاض أولى معاركه بين (12-16نيسان 1948) في مواجهة قوات (الهجناه الصهيونية)، وذلك في معركة (هوشة والكساير)، وانتصر فيها، لكنه خسر (29 شهيداً، و37 جريحاً)، وامتد القتال في هذه المعركة على مساحة (عشرة كيلومترات مربعة) في أرض مكشوفة تمتد من خليج حيفا إلى شفا عمرو. لكن اليهود استعدوا للثأر من هزيمتهم فزحفوا ليلاً على (هوشة والكساير)، وأبادوا الحرس، وطوَّقوا قوات شكيب وهاب المرابطة على التلال القريبة. فطلب النجدة، فهبت القرى الفلسطينية بعد اجتماع في (قرية يركا)، لمساندته. وأجبرت القوات الصهيونية على إخلاء موقع (هوشة والكساير) بعد معركة طاحنة، كان عدد الشهداء من (العرب الدروز)، بين (85-100 شهيداً)، ومئات الجرحى. وكان قائد هذه المعركة هو شكيب وهاب، قائد الفيلق الدرزي في (جيش الإنقاذ). أما الوثائق الصهيونية، فتقول بأن (عدد قتلى (العدو الدرزي) هو (130 قتيلاً، و150 جريحاً). وكان هدف المعركة العسكري هو تخفيف الضغط على فوزي القاوقجي في معركة (مشمار هعيمك). وقتل في معركة (هوشة والكساير) من بين القتلى اليهود (زوريك دايان)، شقيق موشيه دايان (وزير الحرب الإسرائيلي لاحقاً). وشارك المتطوعون الدروز في (معركة مشمار هيردن) وفي (اللطرون) وفي (معركة يانوح)، و(المنارة)، و(المالكية)، و(قدس)... الخ. - (سعيد نفاع : كتاب العرب الدروز ، بتصرُّف).
* * *
اعتمدت الإمبرايالية سياسة تغذية (الطائفية) في محاولتها لتفتيت العالم العربي إلى دول متناحرة، بل وحلمت، منذ القرن الماضي، بتحويل أقطار الوطن العربي إلى دويلات طائفية، وخططت وعملت لذلك طويلاً. وما مظاهر الطائفية ونموها هذه الأيام في لبنان (1980)، إلاّ ثمرة لعمل طويل. وقد استغلت الإمبريالية والاستعمار التقليدي، الجهل والأميّة اللذين كاناً وما زالا يسودان الوطن العربي، بخلق بؤر ثقافية ذات طابع طائفي تحت حجة (التنوير والاستفادة من حضارة الغرب) ذلك أن (الطائفية) حصان سهل الركوب، بما تعتمد عليه من (الغرائز البدائية) و(العاطفية العشائرية العرقية والمذهبية الدينية التاريخية). وقد حاول الفرنسيون، على سبيل المثال، في سوريا، أن يخلقوا دويلات طائفية، لكن ثورة جبل العرب بقيادة سلطان الأطرش أحبطت هذه المحاولة.

2.
نبيه القاسم: واقع الدروز في (إسرائيل):

- بعد مقتل علي بن أبي طالب سنة 661 ميلادية، وبعد الصراع السياسي حول السلطة إبان الدولة الأموية والعباسية، بدأ الصراع الثقافي حول تفسير القرآن والحديث الشريف، ومن ثم ظهرت آراء متعددة ما لبثت أن تفرعت وأصبحت مدارس فقهية، وأصبح لكل مدرسة أتباع وأشياع. والدروز ظهروا، فيما بعد، كأشياع لفكرة (التوحيد)، ولهذا فاسمهم (الموحدون). والدّروز، بفتح الدال، ينسبون إلى أحد دعاة المذهب التوحيدي (محمد بن إسماعيل الطهراني المعروف باسم نشتكين الدرزي)، لكن نشتكين هذا والذي أعطى اسمه لأتباعه، سرعان ما حاول استغلال الدعوة لصالحه؛ الأمر الذي أدى إلى تكفيره وتنحيته عن المذهب وفيما بعد إلى قتله لكن اسمه ظلّ لاصقاً خطأً بأتباعه السابقين.

انتشر المذهب الفاطمي في مصر خصوصاً في زمن الحاكم بأمر الله، وقد أُجبر دعاة هذا المذهب على أن يلجأوا للسريّة في بثّ معتقداتهم. وامتدّ المذهب إلى بعض القبائل العربية في سوريا، يقول الشيخ قاسم فرو، أحد شيوخ الدروز في فلسطين (1980) حالياً: (إن الأصل في تعريف الدروز يرتبط حقيقة بكلمة (الموحدين). والدروز الموحدون طائفة من عرب اليمن والعراق وجدوا فيها منذ فجر التاريخ ولبثوا قائمين على الدهر بمن انضم إليهم من عرب الحجاز الذين قدموا إلى بلاد الشام واستوطنوها، وهم متحدرون من المناذرة اللخميين وقحطان وعدنان وربيعة ووائل ومرّة وهلال وطي وشيبان وزائدة. من هذه القبائل العربية تحدر الدروز وأمراؤهم التنوخيون والمعنيون حكام لبنان، وهم يدينون بالإسلام ويتخذون الفاطمية مذهباً) – (الشيخ قاسم فرو، ص137: نقلاً عن حنا إبراهيم، جريدة (الاتحاد)، 2/6/1978). أما شكيب أرسلان فيقول: (الدروز فرقة من الفرق الإسلامية الفاطمية، والشيعة الإسماعيلية الفاطمية أصلها من الشيعة السبعية القائلين بالأئمة السبعة، وهؤلاء من جملة المسلمين). وقد أعلن شيخ الإسلام، إمام الجامع الأزهر (محمود شلتوت)، أعلن، في تصريح له في آب 1959: (لقد أرسلنا من الأزهر بعض العلماء كي يتعرفوا أكثر على المذهب الدرزي، وجاءت التقارير الأولى تبشر بالخير، فالدروز موحدون مسلمون مؤمنون) – (نبيه القاسم، 1976). ويقدس الدروز، النبي شعيب الذي ورد في القرآن الكريم، ومكان قبر هذا النبي مقدس عند الدروز، وهم يزورونه في الخامس والعشرين من شهر نيسان من كل سنة، في مكانه في (حطّين) قرب طبريا. وقد كان لسرّية المذهب التوحيدي أثر سلبي، حيث أن هذه السريّة خلقت مشاكل وثغرات استغلها المغرضون لتشويهها، بل وللتشكيك فيها، وخلقت أساطير وقصص وأوهام شعبية، قام بتغذيتها المستعمرون لخلق (تناحر مصطنع) بين الدروز والسنة والشيعة. وقد اهتمت الحركة الصهيونية، قبل العام 1948، بالدروز تحت المظلة البريطانية؛ حيث بدأت سياسة (فرّق تسد) تستعمل الخلاف الاجتهادي الإسلامي بين الدروز والسنة، وتوظفه لأهدافها. وبرزت دراسات صهيونية حول الدروز ضمن التخطيط لعزلهم، فقام الباحثون بدراسات تؤكد على (الخصوصية الدرزية!!!) وعلى (القومية الدرزية!!!)...الخ.

- إسحاق بن – تسفي، رئيس (دولة إسرائيل) الثاني، كتب دراسة مطوّلة بعنوان: (القرى الدرزية في إسرائيل)، يشدد فيها، على الكراهية التي يكنها المسلم الدرزي للسني..والمسيحي للدرزي والعكس. ولا ينسى بن – تسفي أن يبرز، في دراسته، العلاقات الطيبة وحسن الجوار التي تقوم بين الدروز واليهود....ويخرج من ثم بنظرية لا تستند إلاّ على رغبته الخاصة وهي: إن الدروز ليسوا عرباً، فهم، كما يرى، خليط من الفرس والأكراد وبعض القبائل العربية..والدروز، في نظره، أقرب إلى اليهود من سواهم. وذلك، كما يدعي، يعود إلى أن الدروز كاليهود لا فاصل عندهم بين القومية والدين...(وهم كاليهود موزعون بين (شعوب غريبة) بدون وحدة جغرافية تجمعهم..أو دولة تضمهم) - (نبيه القاسم، 1976). وتكرر المصادر الصهيونية أسطورة زواج النبي موسى من ابنة النبي شعيب. وعلى أساس هذه الأسطورة خُلق المصطلح السياسي الصهيوني (حلف الدم) بين الدروز واليهود.

ومن هنا ندرك أن الدعاية الصهيونية، ارتكزت على أساطير خلقتها بنفسها وصدّقتها وتريد إقناع الدروز المسلمين العرب بها بقوة السلاح؛ حيث أن الحركة الصهيونية عملت على المحاور التالية:
أولاً: الدروز ليسوا عرباً!!
ثانياً: الدروز ليسوا مسلمين!!
ثالثاً: الدروز أقرب إلى اليهود تاريخياً!!!
رابعاً: هناك خصوصية للدين الدرزي!!
خامساً: هناك قومية وثقافة خاصة درزية!!!

والنقطة الخامسة بالتحديد هي الهدف: حيث أن (دولة إسرائيل) تعتمد على (تحويل الدين إلى قومية)، وهذا يحدث للمرة الأولى في التاريخ، وتريد في الوقت نفسه دمج المذهب التوحيدي الدرزي بقومية مزعومة ليحدث التماثل بين كلمة (إسرائيل) و(الدروز) خلافاً للتاريخ والجغرافيا، ذلك أن تبرير (القومية اليهودية) يسهل مفهوم (دولة إسرائيل). وهذا يعني بالتالي: ضد الاندماج اليهودي في البلدان التي يعيشون فيها، ومع فصل الدروز المسلمين في الجليل، وبالتالي خلق الخصوصية الدرزية.

أعتقد أن إسرائيل عندما لم تستطع خلق (دولة درزية) موالية لها على غرار ما حدث قبل سنوات عندما خلقت (دولة سعد حداد المسيحية الإسرائيلية)، لجأت إلى (حلف الدم) بين السيد والتابع، ومن هنا أرادت إسرائيل الحفاظ على (علاقة خاصة) مع الدروز الفلسطينيين في محاولة منها لفصلهم عن عروبتهم وإسلامهم إلى أن يتهيأ لها الظرف المناسب.

- لقد ندد (ماركس) بشدة بالبرجوازي اليهودي لأنه يعارض (القومية الواقعية بقوميته الخيالية)، ورفض ماركس وجود مسألة يهودية أبدية وتجريدية صرفة، وقال: (اليهودية بقيت ليس رغم التاريخ، بل بالتاريخ)، ويرى ماركس أن (الانعتاق الاجتماعي لليهودي إنما هو انعتاق المجتمع من اليهودية). أما (لينين) فقد نفى الطابع الأبدي لـ اللاسامية وأكد أن الحل هو في أن يذوب اليهود في سكان البلد الذي يقيمون فيه، وعليه، يقول لينين: (علينا أن نساند كل من يساهم في وضع حد للخصوصية اليهودية) – (ماركس، ص202-203: مجموعة من الكتاب السوفيات، ص8: لينين، ص38). إن خلق (الخصوصية الدرزية) هو نفسه وهم خلق الخصوصية اليهودية، إنه وهم من بنات أفكار الحركة الصهيونية، أي خلق فكرة (التماثل) لتبرير إنشاء دولة إسرائيل.
في عام 1949 بلغ عدد سكان القرى الدرزية الفلسطينية 26994 نسمة، تتوزعهم قرى: (دالية الكرمل، عسفيا، شفا عمرو، المغار، يركا، بيت جن، جولس، حرفيش، البقيعة، أبو سنان، كسرى، الرامة، يانوح، كفر سميع، جت، كفر ياسيف، عين الأسد، سلجور. وفي معركة شفا عمرو، وكفار عطا)، استشهد 200 درزي فلسطيني وهم يحاربون ضد الصهيونية عام 1948 ضمن الفيلق الدرزي في جيش الإنقاذ.

في عام 1953، قام أحد المتعاونين مع الحكم العسكري الإسرائيلي بترجمة مقتطفات من كتاب (إسحاق بن – تسفي) إلى العربية، وقامت إسرائيل بتوزيع آلاف النسخ من هذا الكتاب على البيوت الدرزية. وفي دراسته أعلن بن – تسفي (أن الدرزو أمة ذات طابع خاص ومصير خاص يفرقان بينها وبين سائر الأمم. والأمة الدرزية (حسب تعبيره) من ناحية معينة تشبه الأمة اليهودية في بعض خطواتها السياسية. فعندها أيضاً نجد الدين والقومية متحدين معاً حتى يصعب التفريق بينهما كما تشبه هذه الأمة بتفرقها شعبنا اليهودي في شتاته).!!! ويعلق جبرا نقولا، في مجلة الجديد 1955، على قول (بن – تسفي) التالي: (إن أصل الدروز مزيج من أصل فارسي، ودم كردي، مع قبائل عربية قديمة من الخليج الفارسي) فيقول: (إذن فما معنى كل هذا اللف والدوران حول أصلهم، وهل هذا يميز الدروز عمن حولهم من الأهلين العرب؟ أليس كل هؤلاء العرب الذين يقطنون البلاد العربية من الخليج العربي حتى سواحل الأطلنطي ومن جبال طورس حتى بحر العرب هم كذلك مزيج من قبائل عربية وشعوب أخرى تعربت تاريخياً؟ ولكن متى كان الأصل العنصري هو الذي يقرر القومية؟) ويضيف جبرا نقولا: (إذا أخذنا بنظرية الأصل العنصري هذه، لا نجد في العالم اليوم أمة واحدة، فليس في العالم أمة ترجع إلى أصل عنصري خالص).

- في عام 1956، سنت إسرائيل قانون التجنيد الإجباري للشباب الدروز، انطلاقاً من سياسة حلف الدم ونظرية الخصوصية، ولكن الدروز العرب رفضوا هذا القانون وناضلوا ضده، ففي العام نفسه قدمت عريضة إلى إسحاق بن – تسفي رئيس الدولة تحمل تواقيع 1600 مواطن درزي فلسطيني يرفضون فيها سياسة التجنيد، وقاد حملة التواقيع الشيخ فرهود قاسم فرهود وهو شيخ وطني من مواليد 1911 من مواليد قرية الرامة، درس في مدرسة القرية الابتدائية وأنهى الصف السادس عام 1924 وعمل كحجار في مقالع الصخور. (فرهود، (مقابلة معه)، 1980).

في تموز 1960 ألقت الشرطة القبض على (الشاعر سميح القاسم) لتنفيذ قانون التجنيد فقال: (إنني كعربي أؤمن بعروبتي...أرفض حمل البندقية وأن تجنيدي بالقوة سيحيلني إلى مجرم...وستكونون مسؤولين عن كل النتائج) (سميح القاسم، نقلاً عن نبيه القاسم، مصدر سبق ذكره) – لكنهم جنّدوه بالقوة.
وبدأت حملة مركزة تركز على خصوصية الدروز وتبث أفكار التفرقة بينهم وبين السنة الفلسطينيين والمسيحيين الفلسطينيين، وكان قائد الحملة هذه، الصهيوني (نسيم رجوان) رئيس تحرير جريدة اليوم الذي ركز، في حملته، على قومية الدروز وخصوصيتهم وتشابههم مع اليهود. وقد رد عليه، يومها، (فوزي الأسمر وراشد حسين وسليمان شحادة) وغيرهم من الكتاب الفلسطينيين. وفي عام 1960، أيضاً، كتب الصحفي عاموس فريدمان دراسة في صحيفة (هاعولام هزية) تحت عنوان (محاولة كشف أسرار عقيدة الدروز)، يقول نبيه القاسم: (نبهت هذه الدراسة، كل فرد درزي إلى المخاطر التي تنتظره، فقامت التظاهرات في كل القرى...واحتلت قوات الشرطة قرية حطين في يوم الزيارة التقليدية السنوية لمقام النبي شعيب تفادياً لصدام متوقع في نيسان) (المصدر نفسه، 10/8/1962).

كذلك قام (الطلاب الدروز في الجامعة العبرية) بإرسال كتاب مفتوح لوزير الداخلية الإسرائيلية، هذا نصه:
- الموضوع: بند القومية في بطاقات الهوية لأبناء الطائفة الدرزية: (نلفت نظركم إلى التصرف الغريب الذي قامت به وزارتكم في الآونة الأخيرة، إذ أخذت تغير تسجيل قومية أبناء الطائفة الدرزية من عربية إلى قومية مختلفة جديدة هي القومية الدرزية، ونحن نرى في هذا التصرف حلقة جديدة في حلقات محاولة فصل الطائفة الدرزية عن الطوائف العربية الأخرى. إنها لحقيقة ثابتة أن الدرزية هي مذهب ديني، وأن قومية الدروز هي القومية العربية، إننا نحتج بشدة على هذا التصرف غير الشرعي الذي اتخذتموه تشويهاً للواقع والتاريخ، ونعتبر ذلك تعدياً على حقوقنا وامتهاناً لكرامتنا، نتوجه إليكم مطالبين بإيقاف وإلغاء هذا التصرف) (المصدر نفسه، 12/10/1962).

أما الشيخ قاسم فرو من عسفيا فيقول: (إننا إذا أنكرنا أننا عرب فإننا ننكر تاريخ ثوراتنا التاريخية..إن من يريد أن يبدل قوميته العربية بقومية لم توجد يوماً، ألا وهي (القومية الدرزية) مقابل عضوية الكنيست أو راتب أو وظيفة، فإن هذا لا يغير من التاريخ والحقائق التاريخية شيئاً) (الاتحاد)، 17/3/1964، نقلاً عن نبيه القاسم، مصدر سبق ذكره).

وسارع عضو الكنيست (توفيق طوبي) لإثارة القضية في الكنيست فأعلن أمام أعضاء الكنيست في 28/12/1962: (أن هناك من يريد أن يفرق المواطنين العرب إلى طوائف لضرب وحدتهم وضرب نضالهم، ولذلك تسعى السلطة، عن طريق وزارة الداخلية وتشجيع وزارة الدفاع ورئيس الحكومة، إلى إظهار المواطنين الدروز كقومية خاصة وتجريدهم من عروبتهم. إن هذا السعي الذي ظهر بالضغط على المواطنين الدروز لتغيير قوميتهم في الهوية من (عربي) إلى (درزي) يذكرنا بمساعي المستعمرين الفرنسيين والبريطانيين في سوريا ولبنان، وفي هذه البلاد، لتقسيم الشعب العربي إلى طوائف وقوميات، هذه المساعي هي انتهاج سياسة فرق تسد وتستهدف المحافظة على هيمنة وسلطة العناصر الرجعية بين المواطنين الدروز. ولكن المواطنين الدروز في إسرائيل يرون أنفسهم وبحق جزءاً لا يتجزأ من الشعب العربي وسيناضلون متحدين، من أجل حقوقهم...). (إن طائفتنا الدرزية عاشت أجيالاً في هذا الوطن وهي تحافظ على كرامتها وحقوقها، فالدروز يا سعادة المستشار عرب، وأنكم لتعرفون ذلك حق المعرفة وأنكم في إبعادكم الطائفة الدرزية عن الشعب العربي تخلقون سلاحاً للتفرقة بين أبناء الشعب العربي الواحد، إننا نستنكر ما تقوله الإذاعة والصحف، ونحس بالخجل عندما تخرجنا من عداد الشعب العربي. مصالحنا وعاداتنا وتقاليدنا واحدة، لا نفترق أبداً عن مصالح سائر أبناء الشعب العربي). ولكن أمنون لين (عضو كنيست ومدير الدائرة العربية لعمال حيفا، سابقاً) يتابع خطته ويقول: (يجب أن نغرس في أفئدة الشباب الدروز (فكرة درزية إسرائيلية) ووضع سياسة واضحة تجاه الشباب الدروز توضح لهم لماذا عليهم أن يساعدوا الدولة...) (هارتس، 14/11/1966، نقلاً عن المصدر نفسه).

- خصوصية الاضطهاد للدروز. هذا هو العنوان الأصح لممارسات السلطة الإسرائيلية المحتلة، فإسرائيل تضطهد نصف مليون عربي يعيشون في أرضهم الفلسطينية منذ العام 1948، ولكن (الخصوصية القومية) الوهمية التي حاولت إسرائيل خلقها للدروز تحولت إلى خصوصية في الاضطهاد، خصوصاً بعد أن بدأت إسرائيل بنهب أراضي (الخيط) التابعة لقرية بيت جن بالقوة.
وقد استمر الباحثون الإسرائيليون والحكم العسكري بترويج الشائعات حول المذهب الدرزي بين الجماهير البسيطة؛ حيث خلقت الأوهام والأساطير حول العقيدة الدرزية وحول الدروز، وفي هذا الإطار يروي نبيه القاسم هذه الحكاية النادرة فيقول: (ليس من السهل تغيير الصورة المشوهة للدرزي بالسرعة المرجوة..خاصة ونحن..أقصد عرب 1948، لا نزال نتنذر ونستعيد تلك الاعتقادات التي نشرها الإسرائيليون بين أبناء شعبنا العربي في المثلث والتي تقول أن للدرزي ذيلاً...وأنه يعبد العجل ويأكل لحم الإنسان...وليطيل الله بعمر أستاذي (عزمي يونس) الذي كان حظه أن ينام ليلته الأولى في الرامة، في بيت مدير المدرسة الدرزي...فقد قضى ليلته ساهراً يترقب ساعة الذبح خاصة وأن والدته الكريمة حذرته، وهي تودعه، بأنه ذاهب من عرعرة المثلث إلى جبال الجليل حيث يسكن الدروز آكلوا لحم الإنسان. حدث هذا عام 1960 وحتى الآن لا نزال نتنذر على أستاذنا الكريم الذي لا يزال بيننا في الرامة حياً يرزق).

- نشرت جريدة (معاريف) بتاريخ 12/10/1967 ومثلها فعلت الجيروزاليم بوست (أن شرطيين من حرس الحدود من أبناء الطائفة الدرزية قاما بقتل عاملين عربيين من رام الله). ولم يكتف محرر (معاريف) بنشر الخبر بل قال: (لا يكفي تقديم المتهمين للمحاكمة، وإنما يجب علينا أن نتساءل ونبحث كيف كان بإمكان المتهمين القيام بمثل هذا العمل المخزي). بعد نضال خاضه الشباب الدروز الواعي حول هذه الحادثة تبين أن المجرمين ليسوا من الدروز بل هم يهود، والقتلة هما: (عيلوز البرت وهو برتبة شاويش والثاني هو الشرطي الياهو الياس) - (الاتحاد، 26/1/1968، نقلاً عن المصدر نفسه).

- وصدف أن قتل خلال أسبوع واحد، شابان درزيان من قرية يركا، الأول اسمه (علي شوقي) قتل في صدام مع دورية فدائية بالقرب من نهر الأردن يوم 25/3/68؛ والثاني اسمه (حامد جابر أبو طريف) قتل في شوارع (الخليل يوم 31/3/68): وقد ضخمت الصحف الإسرائيلية الحادثين، وعملت الصحافة على إبراز الكراهية (المتأصلة) التي يكنها ساكن الضفة الغربية للدرزي ليس لكونه جندياً يحمل البندقية، وإنما لكونه درزياً فقط!!! وبالغت الصحف في تصوير ما حدث في الخليل من توتر وأظهرت وكأن النيران ستندلع بين لحظة وأخرى وأن الرغبة في الانتقام والثأر، تدفع الشباب الدروز إلى تحدي القوانين والقيام بعملية مدمرة، وطبعاً لم تنس هذه الصحف أن تبرز موقف المسؤولين المعارض لهذا التصرف المشين من قبل الدروز، وبدأت تنسج القصص الوهمية (بأن عشرات الشباب الدروز قاموا بالاعتداء والهجوم على سكان الخليل...وأن قوات الأمن عملت على تهدئتهم واعتقالهم وتهدئة مشاعرهم المتأججة بصدق على مقتل الشرطي الدرزي) – ((هارتس، 11/4/1968، نقلاً عن المصدر نفسه)؛ الأمر الذي جعل (حركة التحرير الفلسطيني فتح) تصدر بياناً تستنكر فيه هذه الحوادث والإشاعات وتعلن أن (أهالي الخليل هم أخوة للدروز لأنهم كلهم من شعب واحد هو الشعب العربي، إن إخواننا العرب الدروز هم أبناء الشعب الفلسطيني) - (الحياة، البيروتية، 14/4/1968، نقلاً عن المصدر نفسه).

- وبعد ذلك حدث أن قتل ثلاثة حراس من (قرية بيت جن) يوم 14/9/1968، وسارعت (الاتحاد) إلى التعليق قائلة: (بعد أيام من مقتل الثلاثة شاعت في القرى المجاورة لبيت جن في نحف، كفرياسيف، دير حنا، أخبار كاذبة تقول أن الدروز من بيت جن، قتلوا بالسكاكين ثلاثة من تجار غزة، ثأراً للحراس الدروز الثلاثة..هذه الإشاعة كاذبة وسافلة، ونحن نحذر المواطنين العرب من المسلمين والمسيحيين والدروز من السقوط ضحايا لمثل هذه الأكاذيب. – (الاتحاد، 15/10/1968، نقلاً عن المصدر نفسه).

- أما البروفسور جبوتنسكي فيطلب في محاضرة له ألقاها في حيفا تحت عنوان (الاستعمار العربي) بأن تعمل إسرائيل على تمزيق وتعرية الاستعمار العربي. فالعرب، كما يقول، (ليسوا إلاّ طوائف متباعدة متنافرة، ولهذا، فعلى إسرائيل استغلال كل ذلك بأن تضرب بيد قوية، وأن تقوم بأعمال تخريبية لإثارة روح التمرد بين العلويين والدروز في سوريا) – (معاريف، 13/2/1969، نقلاً عن المصدر نفسه).

- في انتخابات 1969، صوّت أكثر من ألف درزي للحزب الشيوعي الإسرائيلي؛ ففي عسفيا نال 150 صوتاً، وفي يركا، موطن الشيخ جبر معدي 197 صوتاً، وفي بيت جن 184 صوتاً، وفي المغار 224 صوتاً، وفي دالية الكرمل 76 صوتاً. وصرحت (يديعوت أحرونوت) قائلة: (حتى أنت يا بروتس)(*) (يديعوت أحرونوت، 2/11/1969، نقلاً عن المصدر نفسه). أما الموالون للحكومة الإسرائيلية من الدروز، مثل زيدان عطشة عضو الكنيست والموظف في وزارة الخارجية الإسرائيلية في الولايات المتحدة، فيطرحون فكرة العتب على الحكومة ويرون أنها، إن لم تقدم خدمات للدروز، فإن التيار (المتطرف) سينمو: وهم يقصدون بالتيار المتطرف الاتجاه الوطني الديمقراطي اليساري الذي سيزداد نفوذه بين الدروز، فيكتب زيدان عطشي كتاباً مفتوحاً موجهاً إلى غولده مئير رئيسة الحكومة آنذاك قائلاً: (هل ستبقى الطائفة الدرزية وشبابها المثقفون، ممثلين في دوائر عربية حكومية وهستدروتية وحزبية!!!) هل ترضى إسرائيل أن تبقى الطائفة الدرزية وشبابها بمعزل عن النشاطات السياسية الحكومية والحزبية..وينهي زيدان عطشة كلمته محذراً: (هذه بعض حقائق عن طائفتي أبسطها أمامك، كمواطن وكجندي إسرائيلي، وأنا أشعر بأن الشباب الدروز تكاد الدعايات المتطرفة أن تبلعهم وبذلك تكون السياسة الخاطئة قد جنت على عنصر إسرائيلي إيجابي مخلص هادئ وأمين) (الأنباء، القدس، 13/2/1970، نقلاً عن المصدر نفسه).


الشيخ فرهود قاسم: لجنة المبادرة الدرزية:

وهكذا يتضح نهجان درزيان في التعامل مع نظرية الخصوصية الدرزية، وهي نظرية صهيونية، نهج وطني يقوده (الشيخ فرهود قاسم والتيار الوطني...واليساري)، ونهج مؤيد لسياسة إسرائيل ونظرية الخصوصية، ويقوده (جبر معدي وتلامذته زيدان عطشي وأمل نصر الدين) وغيرهم من الزعماء التقليديين الذين يطمحون إلى عضوية الكنيست وإلى الوجاهة العائلية. وإسرائيل تدعم النهج الثاني بكل قوتها، منذ ذلك الوقت وحتى الآن، وقد لوّح النهج التقليدي العشائري للسلطات بـ مقولة (الخطر الشيوعي الزاحف) ظانين أن ذلك سيحث الحكومة على تقديم العطايا للدروز ولكن هيهات!! ففي 13/3/1970، أعلن (عيزر وايزمن) وكان وزيراً للمواصلات، عن حل يقترحه لمشكلة (الأقليات!!!) في إسرائيل ومفاده: (إرسال المسلمين، يعني السنة، إلى الأردن، وإرسال الدروز إلى جبل الدروز في سوريا)، فثارت ثائرة الجماهير العربية الدرزية في فلسطين، وعقدت الندوات الجماهيرية لاستنكار التصريحات وأرسلت العرائض، مما اضطر مناحيم بيغن ويوسف سبير إلى نفي التصريحات، وفي 17/3/1970، صدر تكذيب للتصريحات من وايزمن نفسه.
وثارت الجماهير الدرزية الفلسطينية على أثر اعتقال (الشيخ كمال كنج) من مجدل شمس من الهضبة السورية المحتلة بتهمة التعامل مع سوريا عام 1971، وأرسلت برقيات الاحتجاج والعرائض، وأقيمت الندوات، وفي عام 1972، اضطرت مجلة (الدروز) لصاحبها كمال القاسم، وهي مجلة يمولها مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية، إلى الاعتراف باحتلال أراضي درزية. وحاولت الصحافة الإسرائيلية التهوين من وضع الدروز المتفاقم فكتبت (معاريف) أن أكثرية الدروز تؤيد التجنيد الإجباري..وأن الشيخ فرهود فرهود لا يمثل إلاّ أقلية. وحاول الكاتب مناحيم راهط، أن يوحي بأن أعضاء الحزب الشيوعي من الدروز هم الذين يقفون وراء الشيخ فرهود وبياناته. وقد رد الشيخ فرهود على هذا التحريض، فيما بعد، فقال: (لقد فشلت السلطة في محاولتها استعمال أسلوب الترهيب والتخويف فلجأت إلى محاولة ضرب لجنة المبادرة الدرزية من الداخل. وقد تجلى هذا الأسلوب في نش دعاية عني، مثلاً، أنني شيوعي. ولجنة المبادرة الدرزية، كما هو معروف، شريك أساسي في الجبهة الديمقراطية للمساواة والسلام. ونحن لا ننفي وجود شيوعيين في لجنة المبادرة الدرزية فهذا حقهم لأنهم دروز. ولكن لا طابعاً حزبياً للجنة المبادرة الدرزية، والدعاية القائلة بأن اللجنة هي شيوعية تهدف في الأساس إلى ضرب وحدتنا وتفسيخ هذه الوحدة، وفي هذه الحالة يسهل على السلطة تمرير مؤامراتها علينا فنقول لهم أشدُّ ما تخافه هذه السلطات هو وحدة المظلومين والمناضلين) (الاتحاد، 11/3/1980).

كذلك قام المناضل الوطني (سلمان شحادة) بإصدار منشور ندد فيه بقانون التجنيد الإجباري وبتدخل السلطات بشؤون الدروز الداخلية. واستمر نضال الطائفة العربية الإسلامية الدرزية ضد نظرية الخصوصية وضد حلف الدم وضد التجنيد ومصادرة الأراضي. وكان عام 1972 عاماً فاصلاً في نوعية النضال وتطوره..ومرة أخرى، في بيت (الشيخ فرهود قاسم فرهود) يجتمع عدد من الشباب الدروز الوطنيين بتاريخ 10/3/1973، ليشكلوا لجنة باسم (لجنة المبادرة الدرزية). وكان الشيخ فرهود قد أصدر بياناً واضحاً ضد التجنيد الإجباري وضد مصادرة الأرض والمس بالمقدسات الدينية عند الدروز، مثل منع الدروز من الاحتفال بعيد الفطر وضد (تحويل الزيارة الدينية السنوية إلى حطين؛ حيث قبر النبي شعيب، إلى أعياد للدعاية السياسية المعادية لشعبنا العربي).

وهكذا بدأت مرحلة جديدة منظمة للنضال الدرزي بقيادة لجنة المبادرة الدرزية، الممثل الشرعي الوحيد لجماهير الطائفة الدرزية الفلسطينية. يقول الشاب علي خرباوي من يركا: (أنا أؤيد الشيخ فرهود في كل ما ذكره في رسالته. إن توقيع المئات من أهالي يركا على عرائض مؤيدة لما جاء فيها، هو تعبير عن النقمة التي يكنها الأهالي على الأوضاع التي شرحها الشيخ فرهود في رسالته). والشاب جمال جمال يقول: (نحن كأقلية في البلاد، يجب ألا يسري علينا قانون التجنيد الإلزامي فكيف أقابل أخي العربي في الطرف الآخر بالسلاح؟؟ ليس لنا مطالب خاصة فمشاكلنا هي مشاكل كل العرب في إسرائيل ومطالبنا مطالبهم) (مجلة (الغد) حيفا، شباط 1972، نقلاً عن نبيه القاسم، مصدر سبق ذكره). ولا بد أن نشير إلى أنه توجد، إضافة إلى مجلة (الدروز) لصاحبها كمال القاسم مجلة أخرى اسمها (الهدى) يسيّرها فائز عزام وسلمان ذيب فلاح؛ وهي مجلة تمثل التيار التقليدي وتنطق باسم أعضاء الكنيست من الدروز وكلهم من دعاة (القومية الدرزية). وقد لعبت (الدروز) و(الهدى) دوراً تخريبياً في وسط الجماهير الدرزية الفلسطينية، وتعمل المجلتان من أجل إقناع الدروز بأنهم ليسوا عرباً، وهما تصدران بتمويل من الحكومة تتبعان أسلوباً ليرالياً في التعامل مع الآراء، فهما تستكتبان بعض الدروز الوطنيين الليبراليين أحياناً للتغطية، أما الموقف، في المجلتين، من الدروز الوطنيين واليساريين فهو موقف السلطات الإسرائيلية نفسه من هؤلاء. وفي مقابل هؤلاء برز مثقفون (وطنيون ويساريون دروز) ولعل: (فرهود فرهود الشيخ، وسلمان شحادة، وسميح القاسم، وسلمان ناطور، وجهاد سعد، ونايف سليم، وحاتم حلبي، ومحمد نفاع، والشيخ صلاح شوفانيه) وغيرهم، هم قادة التيار الوطني الذي أصبح الأكثر جماهيرية بعد أن بين للجماهير الدرزية خداع الحكم العسكري الإسرائيلي. ففي 31/5/1973، قامت الشرطة بمحاصرة بيت المواطن (سلمان حسن غانم) من (قرية بيت جن) وقامت البلدوزرات بهدمه. وقد فجر هذا الحادث مشاعر الدروز، وأصدرت لجنة المبادرة الدرزية بياناً قالت فيه: (إن بربرية الهجوم ووحشيته تثبتان للمرة الألف، صحة رأينا ووجهة نظر لجنة المبادرة الدرزية التي أعلناها مراراً، وهي أن سياسة السلطات لا تفرق بين الدرزي والسني والمسيحي وإنما هي (سياسة فرق تسد) وطالبت لجنة المبادرة الدرزية بـ:
1. التعويض الكامل لسلمان غانم.
2. التعويض الكامل لأصحاب البيوت التي هدمت في كل القرى العربية وإعادة بنائها على حساب السلطات.
3. بتوسيع مسطح العمار في قرانا كي لا تتكرر المأساة.
4. بإعطاء رخص العمار لطالبيها بأسرع وقت ممكن.

- وفي عام 1974، وعلى أثر عملية (كريات شمونة) التي قامت مجموعة فدائية فلسطينية بتنفيذها. قام العشرات من سكان كريات شمونة اليهود بالاعتداء على المواطنين الدروز السوريين من سكان الهضبة وأهانوا الشيوخ والنساء. كذلك قام اليهود بالهجوم على الجنود الدروز الذين تواجدوا في البلدة وضربوهم وصرخوا في وجوههم: (عرب قذرون). وقد ذكرت الصحف الإسرائيلية أن مواطنين دروزاً ومسلمين سنة ومسيحيين تعرضوا للضرب والإهانة في إيلات وطبريا وحيفا...وغيرها. ووزعت (لجنة المبادرة الدرزية) بياناً جاء فيه:
لقد تنبأت لجنة المبادرة منذ البداية، بفشل (أخوة الفارس والفرس والسيد والعبد)، أخوة الاستعلاء العنصري التي تحاول السلطات فرضها في كل المجالات، في كريات شمونة اعتدى العنصريون على شيوخ بالعمائم التي تدحرجت، وعلى نساء بالنقابات التي تمزقت، واعتدي أيضاً على جنود الدروز في الخدمة الإلزامية، وحين يفرض الموت على شبابنا على الحدود تصفنا أبواق السلطة بالأبطال وحماة الوطن، أما في شوارع كريات شمونة فنحن (عرب قذرون) كما وصفنا العنصريون). وتساءلت لجنة المبادرة قائلة: أين (رباط الدم) الذي يتشدقون به في إذاعاتهم وصحفهم الصفراء وكتبهم المأجورة؟ ما معنى تقييد حرية التنقل والإقامات الجبرية على مناضليها؟ ما معنى الحكم بالسجن على أكثر من خمسين شاباً درزياً لرفضهم الخدمة العسكرية الإجبارية؟ وقد قال رئيس بلدية كريات شمونة لمراسل (يديعوت أحرونوت): (نحن الذين طلبنا من الشرطة منع الدروز من دخول كريات شمونة، فكما لا يخفى على أحد أثبت الماضي القريب أن هناك من الدروز من يتعاون مع المنظمات الفلسطينية التخريبية..!!) (يديعوت أحرنوت، 2/11/1969 نقلاً عن المصدر نفسه).

2.
مرزوق حلبي: قصة مقام النبي شعيب:

يحتفل العرب الدروز في فلسطين في (25/4) من كل عام، بموسم الزيارة إلى (مقام النبي شعيب)، قرب مدينة (طبريا) على الحدود الغربية لسهل (حطّين)، وتخوم (قرية حطّين) الفلسطينية المهدَّمة. يقع (المزار) في واد حيث يلتقي جبلان، وهو عبارة عن بناية هائلة من عدة طبقات تصل إلى خمس في الجهة الشرقية، وتبرز فوقها قمة بيضاء تظلل القبر، الذي يعتقد العرب الفلسطينيون الدروز أنه (قبر النبي شعيب)، وهو عبارة عن كتلة من الرخام المغطى بالقماش المزركش والمنقوش والمطرز. تحيط المقام من جهاته الثلاث، جبال عالية شديدة الانحدار. أما الجهة الرابعة (الشرقية)، فهي الفتحة الوحيدة التي تصل المقام بالمناطق الأخرى، ويمكننا عبرها أن نشرف على القاطع الشمالي من (بحيرة طبريا)، وعلى سهل (حطين)، كما نشاهد من أعلى البناية القرى الفلسطينية على السفوح الشرقية لجبال الجليل. إن النصف الثاني من شهر نيسان من كل عام هو موسم الزيارة، يتم تتويج الموسم في الخامس والعشرين من نسيان (إبريل) . وكان المتدنيون من أتباع المذهب الإسلامي الدرزي في فلسطين ولبنان وسوريا: (جبل الكرمل، والجليل، وجبل لبنان، والجولان، وجبل العرب)، يفدون في الموسم لزيارة المقام. كان الموسم فرصة للقاء الأقارب والمعارف والأصدقاء وتبادل الهدايا. وكانت تقام في الأيام الأخيرة من الموسم، حلقات الحداء والغناء والدبكات والرقصات والأغاني الشعبية، وكانت المناسبة (مناسبة دينية) . أما (النبي شعيب)، فقد ورد ذكره في القرآن الكريم (سورة الشعراء). وتحكي الرواية السائدة بين العرب الدروز، أن النبي شعيب كان النبي غير الظاهر (الباطن)، وأن (النبي موسى) تزوج من فتاة كانت ترعى ماشية للنبي شعيب، وكان شعيب قد تبناها، كما تقول الرواية الشعبية، ( لكن المذهب الإسلامي الدرزي ينفي نفياً قاطعاً هذه الراوية التوراتية. (لأن الأنبياء الخمسة لدى الدروز (لا يتزوجون)). أما مسألة (التقمص) فقد جاء من الرواية بأن أفعى لدغت النبي شعيب، لكنه ظل واقفاً على عكازه (15سنة)، أي في ظل هيكله العظمي على الصخرة المحفورة في الحائط الذي في المقام، هذه الصخرة على شكل (شق، وقدم). هكذا عاد شعيب بعد الـ 15 سنة، في جسد فتى عمره، خمسة عشر عاماً إلى الموقع برفقة ذويه، واشار إلى العظام، يحكي ما حدث له. – (مرزوق حلبي: موسم الزيارة إلى مقام النبي شعيب، مجلة فلسطين الثورة، قبرص، 4/5/1985). هنا ، استفاد رجل المخابرات الصهيوني (اسحق بن تسفي) من هذه القصة، وزعم أن (موسى تزوج بإبنة شعيب)، وقام بتضخيم الأسطورة ( الزواج المزعوم ) في كتاب يدعو فيه إلى (حلف الدم بين الدروز والحركة الصهيونية)، وهي نظرية تنفيها عقيدة المذهب الإسلامي الدرزي، لأن الدروز يؤمنون بأن (شعيب نبي معصوم لا يتزوج). رجل المخابرات في الحركة الصهيونية هذا (اسحق بن تسفي) في ثلاثينات القرن العشرين، اصبح لاحقاً (الرئيس الثاني لدولة إسرائيل)، وهو مخترع (نظرية حلف الدم الصهيونية)، ولها جذور في الفكر الصهيوني ترجع إلى نهايات القرن التاسع عشر، وبعد تأسيس واختراع (دولة إسرائيل، 1948)، قررت الحكومة الإسرائيلية، العمل على فصل (الدروز المسلمين) عن (السُنة المسلمين)، وفصلهم عن (عروبتهم الأصيلة)، بل فصلهم عن باقي مكونات الشعب الفلسطيني (المسلمين، والمسيحيين). فتحول (موسم زيارة النبي شعيب) إلى (مناسبة سياسية إسرائيلية)، وكرست المناسبة لإلقاء المدائح للسلطات الإسرائيلية، لتحرير سياسة فصل الدروز عن باقي أبناء شعبهم الفلسطيني، وكما يقول (مرزوق حلبي): استمر الاحتفال بطابعه الديني حتى عام 1948، عام النكبة الفلسطينية، حيث سُدَّت السلطات الإسرائيلية الطريق أمام دروز سوريا ولبنان، بل سُدَّت أمام (الدروز الفلسطينيين) في فلسطين المحتلة، وأصبحت منطقة (المقام) خاضعة للحكم العسكري، فكان على كل فلسطيني درزي يريد زيارة المقام، أن يحصل على تصريح من الحكام العسكريين حتى منتصف الستينات. ثم جعلت موسم الزيارة، منبراً سياسياً، تبث عبره السياسة الاستعمارية القديمة (فرّق تسُد). وصارت سلطات الاحتلال، ترسل مندوبا عنها للمشاركة في الاحتفال. وتحيط بالمقام مئات الدونمات من أشجار الزيتون التابعة لوقف (المقام)، لكن الاحتلال الإسرائيلي، صادر هذه الأراضي لحساب (المستوطنات) التي أقيمت في المنطقة. (مرزوق حلبي).

- لكن (يوم 25/4/1974)، كان يوماً فاصلاً في تاريخ دروز فلسطين، حيث حضرت قوات كبيرة من الشرطة الإسرائيلية، وقوات حرس الحدود بشكل ملفت، وتمركز قوات الجيش الإسرائيلي على رؤوس الجبال المحيطة بمقام النبي شعيب، ونصب حاجز مسلح للشرطة والجيش على الطريق الوحيدة المؤدية إلى (المقام)، وكان ممثل دولة إسرائيل هذه المرَّة (اسحق رابين)، وما إن بدأ المهرجان الخطابي الإسرائيلي، حتى انتظمت مجموعات من الشباب من (دروز فلسطين)، وهتفت منددة بسياسات دولة إسرائيل الإستيطانية، ومطالبة بإلغاء التجنيد الإجباري المفروض تعسفياً على الشباب العربي الدروز. وهتفوا مطالبين إلغاء المراسيم السياسية في مقام النبي شعيب من أجل عودته إلى طابعه الديني، وتحولت التظاهرة إلى صدام دموي عنيف بين الشباب، وقوات الشرطة وحرس الحدود. وهدم الشباب المنصة، فهرب (رئيس حكومة إسرائيل) تحت حراسة مشددة. وأغلقت المنطقة. واصيب في هذا الصدام عشرات من رجال الشرطة، وفي مقدمتهم، قائد شرطة طبريا. واصيب واعتقل عشرات من الشباب العرب الدروز. وتحوّل ذلك اليوم إلى معلم بارز (ضد قانون التجنيد الإجباري)، وضد سياسة التمييز العنصري الإسرئيلية. وكان هذا اليوم (25/4/1974)، وهو بداية انطلاقة (لجنة المبادرة الدرزية)، وهي الهيئة التي تناضل من أجل شطب قانون التجنيد الإجباري. وتحوّل موسم الزيارة عام 1984 إلى تظاهرة جبارة، اشترك فيها العرب الدروز من الكرمل، والجليل، والجولان، والجنوب اللبناني، نددت بسياسة القمع الإسرائيلي ضد دروز الجولان، وضد التحالف ( الإسرائيلي – الكتائبي) المعادي للحركة الوطنية اللبنانية، وضد تجنيد أبناء الطائفة العربية الدرزية في الجيش الإسرائيلي. وفي السنوات الأخيرة، بدأت السلطات الإسرائيلية باستغلال قداسة مقام النبي شعيب، وحوَّلته إلى (موقع يؤدي فيه المجندون الدروز، ولاء القسم والإخلاص لدولة إسرائيل !!!). وتحوَّل إلى ثكنة عسكرية. (مرزوق حلبي: فلسطين الثورة، 4/5/1985، بتصرف).

3.
نور عامر: التجنيد الإجباري (1/4/1956):

يقول (نور عامر، سكرتير لجنة المبادرة الدرزية)، عام 1985، بأنه في (1/4/1956)، انضمت (أول فرقة درزية)، تطبيقاً لقانون التجنيد الإجباري، إلى الجيش الإسرائيلي، رغم أن القرى الدرزية الفلسطينية، أرسلت إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي (50 عريضة)، موقعة من أهالي هذه القرى، ترفض التجنيد، لأسباب (ضميرية). وقد تذرعت (إسرائيل)، آنذاك، بموافقة (مجموعة صغيرة) من الدروز التقليديين النفعيين الذين لا يمثلون الطائفة الدرزية، بينما تجاهلت اعتراضات آلاف الدروز. ومنذ عام 1956، يعلن الدروز معارضتهم للتجنيد الإجباري، وهم يرون أن (التجنيد مؤامرة صهيونية، استهدفت شق وحدة الجماهير العربية في فلسطين، وسلخ أبناء الطائفة الدرزية عن قوميتهم العربية، وإظهارهم وكأنهم خونة ومرتزقة، وضد أبناء شعبهم الفلسطينيين).

وهكذا برزت (ظاهرة رافضي الخدمة الإجبارية)، خاصة بعد الحصار الإسرائيلي للدروز في الجولان السورين وبعد تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية – الكتائبية على القرى الدرزية في (جبال الشوف) بلبنان، وبعد مذبحة (صبرا وشاتيلا) في بيروت عام 1982، التي خطط لها، وقادها، وشارك في تنفيذها الجيش الإسرائيلي. وهكذا عمَّ السخط بين الدروز وطالبوا بانسحاب الجيش الإسرائيلي من (لبنان)، وإلغاء التجنيد الإجباري. ويضيف (نور عامر) ، قائلاً: (الكثيرون من شبابنا رفضوا الخدمة في لبنان ومن منطلق ضميري فكان رد سلطات الجيش أن زجت بعضهم في السجون العسكرية وابعدت البعض ليخدم في مناطق نائية في الجنوب مثل إيلات. التي أقيمت على أنقاض البلدة الفلسطينية "أُمّ الرشراش".

وقد شهدت السجون العسكرية الإسرائيلية حلال حرب لبنان عشرات الشبان الدروز الرافضين ومنذ تطبيق قانون التجنيد الإجباري والسجون العسكرية لا تخلو من الرافضين الذين يستهينون بقسوة السجن وشظف الحياة خلف الجدران لكنهم لا يرضخون ولا يتنازلون عن مبادئهم بل يزدادون صلابة وإصراراً على رفض التجنيد . وتشير الاحصائيات إلى أن فترات السجن العسكري مجتمعة التي أمضاها شبابنا في السجون العسكرية تزيد عن (1000) سنة فعلياَ. وعلى سبيل المثال، فمن شبابنا الرافضين، في الآونة الأخيرة، من قرانا في الجليل والكرمل: حسن سليمان جابر، كايد صالح خطيب، أسامة مبدى ملحم، نزيه مرزوق، مشرف نايف قزل، سهيل عساقلة، رمزي اصلان، جابر حسن، نهيل سليمان سعد، أجود سليمان سعد، فرحات فرحات، سامي نجيب أبو الزلف، منير مسعود أبو الزلف، حسون محمد مرزوق، حمد زيناتي، كمال خير، فراس سعيد، وليد سويد، كميل عطا الله، أيوب عطا الله، راضي أبو صالحة، وأنيس فارس. وقد حكم على أغلبية هؤلاء بالسجن العسكري، وهناك عشرات الشبان الفارين من الخدمة الإجبارية لأسباب ضميرية ومعيشية يتعرضون إلى "كبسات" بوليسية ليلية وملاحقات مستمرة بهدف كسر معنوياتهم وارغامهم على قبول التجنيد. مما يسبب الازعاج وامتاعب لهم ولأسرهم وكثيراً ما نشاهد حواجز بوليسية في مداخل قرانا أقيمت للتفتيش عن الرافضين والفارين من الخدمة. بعض شبابنا يظلون في عداد "الفراري" ومطاردين من سنة حتى أربع سنوات. وعندما يقبض عليهم يساقون إلى السجون العسكرية. وبعد انتهاء مدة سجنهم يعاد أكثرهم للخدمة الإجبارية، ومدة السجن لا تخصم من خدمة السنوات الثلاث المفروضة وهكذا فإن شباب كثيرين تذهب من أعمارهم سنوات طويلة وبدون فائدة وتصل أحيانا إلى (7) سنوات بين مطاردات وسجون وخدمة إجبارية. (نور عامر: كل مفروض مرفوض، مجلة فلسطين الثورة ، 4/5/1985).

(تدريز) الثقافة والتعليم: اختراع مصطلحات إسرائيلية:

جاء في تقرير نشر عام 1985، لـِ(وكالة رويتر) أن (172 جندياً درزياً) في الجيش الإسرائيلي، قتلوا في حروب إسرائيل ضدّ الفلسطينيين والعرب، ومن بين هؤلاء، (37 شاباً) لاقوا حتفهم في حرب إسرائيل على (لبنان)، ومن بين الـ(37)، هناك (13 جندياً درزياً)، لاقوا حتفهم في عملية المقاومة اللبنانية، التي قادها الاستشهادي (أحمد قصير)، لنسف (مقر المخابرات العسكرية الإسرائيلية في (صور)).
- وفي عام (1976م)، بدأت (إسرائيل) بـ ( تدريز) مناهج التدريس في المؤسسات التعليمية في القرى العربية الفلسطينية الدرزية المسلمة، عن طريق إعداد منهج تعليم للمؤسسات التعليمية يشمل المواد التعليمية، بهدف اصطناع (ثقافة درزية) بالمفهوم الإسرائيلي الصهيوني، وفي العام (1977)، أقيمت إلى جانب المشرف الأصلي على عملية (التدريز)، أي جهاز المخابرات، أقيمت (لجنة المعارف والثقافة للدروز)، مهمتها اختراع ما يسمى (التراث الدرزي)، ثم تعدته إلى صياغة كافة المواضيع والمواد التي تدرس في المراحل المدرسية الثلاث: الابتدائية والاعدادية والثانوية .

يقول (مرزوق حلبي): أقيمت المناهج على أساس (نفي وجود الشعب الفلسطيني، الذي ينتمي له الطالب الدرزي)، وعلى تنمية العلاقات المميزة بين إسرائيل والدروز، والإخلاص لدولة إسرائيل، وتنمية (الكيان الدرزي – الإسرائيلي )، وعلى تجذير الشبيبة الدرزية في (تراث الطائفة الدرزية)، الذي هو أصلاً ( تراث فلسطيني). والمقصود هو (محو الفلسطنة، والتراث الفلسطيني)، وتحويلها إلى (تراث درزي خالص). لا علاقة له بالشعب الفلسطيني، وثقافة بلاد الشام، والثقافة العربية، أي (محو الانتماء الفلسطيني للمواطن الدرزي)، بل تشويه العقيدة المذهبية الإسلامية الدرزية، كما عملت المناهج على زرع الفتنة بين الطوائف الفلسطينية: ( السنة المسلمون، الدروز المسلمون، المسيحيون العرب الفلسطينيون). كذلك تقزيم الشخصيات العربية: (كمال جنبلاط، سلطان الأطرش، خليل تقي الدين، فريد الأطرش، والمؤرخ عبد الله النجار)، بأنهم (دروز فقط)!. حتى الأغاني الشعبية في فلسطين وبلاد الشام أصبحت في هذه المناهج (درزية!!): جفرا الدرزية وليس الفلسطينية، ودلعونا والعتابا وظريف الطول، وع الأوف مشعل في كتاب (التراث الشعبي)، هي (درزية فقط)، رغم أنها (كنعانية) أي تنتمي لعرب بلاد الشام. وقدمت (الجولان) في المناهج على أنها (إسرائيلية !!). بل وصلت عناوين المناهج إلى أوصاف وأسماء كاريكا ثورية: (الطالب الدرزي، رياضيات الدروز، تاريخ الدروز، لغة عبرية للدروز، علم الكيمياء الدرزي، العلوم العسكرية الدرزية، التراث الدرزي، الثقافة الدرزية، حرس الدروز) (مرزوق حلبي: مجلة فلسطين الثورة، 4/5/1985).

- هكذا عملت (إسرائيل) على فصل (الدروز) وهم عرب فلسطينيون عرقياً، ينتمون إلى أحد المذاهب الإسلامية، هو (المذهب الفاطمي العلوي، الإسماعيلي)، المسمى خطأ بـ (الدروزي)، وهو مذهب باطني نتج عن الفكر الشيعي، يقع بين (فكر السُنة)، و (فكر الشيعة) تقريباً. وعملت (إسرائيل) على اختراع (حلف الدم)، الذي هو (نظرية صهيونية) يرفضها الدروز الفلسطينيون، لأنها تخالف عقيدتهم المذهبية. وفرضت (إسرائيل)، التجنيد الإجباري على الدروز في الجيش الإسرائيلي، قسراً وقهراً، بموافقة مجموعة ضئيلة من مشايخ الدروز التقليديين، رغم رفض الآلاف من الدروز في عراضهم إلى الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ عام (1956)، لقانون التجنيد الإجباري. لكن (لجنة المبادرة الدرزية)، منذ (1974)، وحتى اليوم، وهي تقاوم مشاريع (التدريز)، والتجنيد، وحلف الدم)، لأسباب (ضميرية)، لأن الدروز هم شريحة من الشعب الفلسطيني، ولأسباب قانونية عالمية، وهي حق الشعوب في مقاومة الاحتلال، وكما هو معروف: (دولة إسرائيل، هي آخر دولة استعمارية في العالم الحديث)، ولأن (الشعب الأصلي)، وهو الفلسطيني، مازال تحت الاحتلال في فلسطين التاريخية كلها، أو (لاجئاً) في المنافي والشتات، وهو مازال يناضل من أجل (تفكيك دولة إسرائيل الاستعمارية)، ويطالب (ضمير العالم الحر) بحقوقه، دون جدوى. وليس هناك من سبيل، سوى مواصلة (ثقافة المقاومة).

- في احتفالات 25/4/1974 بذكرى النبي شعيب، توجه الآلاف إلى قرية حطين، وكان إسحاق رابين ضيف الاحتفال، ولم يمنع هذا، الشباب الوطني من رفع المطالب التالية:
1. الاعتراف من قبل الرئاسة الروحية والسلطات المسؤولة بأن عيد الفطر المبارك هو عيد رسمي للطائفة الدرزية.
2. الاعتراف العلني بأن الدروز عرب، وأن محاولة فصلهم عن شعبهم العربي هي مؤامرة قذرة.
3. استنكار كل المحاولات والأعمال التي أهانت الأفراد الدروز في كريات شمونة وغيرها.
4. المطالبة بإلغاء التجنيد الإجباري.
5. السماح لأحد أعضاء لجنة المبادرة الدرزية (الشيخ فرهود فرهود) بالتكلم في الاجتماع العام..أو بقراءة بيان اللجنة الذي أصدرته حول كريات شمونة.

ولكن (شيخ العقل أمين طريف)، الرئيس الروحي للطائفة الدرزية، لم يوافق على كل المطالب؛ فقد مُنع (الشيخ فرهود) من قراءة البيان الذي رفضوا السماح بتلاوته. وما كاد الاحتفال يبدأ حتى رفع الشباب الدروز الوطنيون الشيخ فرهود، إمام دروز الرامة، وحملوه إلى المنصة، رغم محاولة الشرطة منعهم، ووقف الشيخ الوطني مطالباً بإلغاء التجنيد والاعتراف بعيد الفطر كعيد رسمي للدروز وباقي مطالب الشبيبة الوطنية. وقد نجح الشباب الوطنيون في تظاهرتهم؛ حيث قام بعضهم بكسر ماسورة المجاري، الأمر الذي جعل المياه القذرة تنساب نحو منصة الضيوف وعلى رأسهم إسحاق رابين وتتدفق بين الحضور وتنشر الرائحة الكريهة. وقاموا بالتشويش على (خطب جبر معدي وكمال منصور ورابين). وكانت الخطوة الثانية هي ما سمي بـ (متحف درزي) في جامعة حيفا يحتوي على بعض المستندات والمعروضات المتعلقة بتاريخ الدروز وعاداتهم وتقاليدهم، ويشرف على هذا المتحف الدكتور جبرائيل بن دور مدير معهد الدراسات الشرق أوسطية في جامعة حيفا، والسيد نيسان متري مدير المركز العربي اليهودي، والسيد فائز عزام، محرر مجلة (الهدى) الدرزية والذي عين مديراً لهذا المتحف. وإقامة المتحف تهدف، كما هو معروف، إلى خلق تراث مزيف شبيه بدراسات حول حلف الدم، ويأتي ضمن الخط العام لنظريات (الخصوصية الدرزية) و(القومية الدرزية) و(التراث الدرزي)! وجميعها نظريات صهيونية لا تتعدى كونها (خصوصية الاضطهاد والقمع) ليس إلاّ. ولكن السلطات عادت، أيضاً، في 30 أيار 1975، واتخذت قرارات مثل التجنيد الإجباري وخلق ما سُمي بالقومية الدرزية وتجريد الدروز من عيد الفطر وتزويج موسى من ابنة شعيب التي لم تخلق أصلاً. يقول الدكتور اميل توما: وها نحن اليوم في الثلاثين من أيار نشهد عملية قطع آخر خيط أبقوه لنا مع أبناء شعبنا وأمتنا..بإقامة دائرة درزية مستقلة عن الدوائر العربية. وفي 18/10/1975 عقد مؤتمر الناصرة، فوقف الشيخ فرهود يعدد مطالب الطائفة الدرزية الإسلامية قائلاً:
(لقد قطع المزيفون شوطاً بعيداً في غيهم وانتهكوا حرمة التاريخ باختلاقهم شعارات ومصطلحات مثل (الشعب الدرزي)، (الدروز والعرب)، (الدروز والمسلمون) وحتى (الدولة الدرزية). لقد أرادونا في مجال الواجبات أخوة، ولكن في حقل الضرر والأذى فإننا عرب كغيرنا. وليس هناك برهان ولا دليل أقوى من هذا على النظرة الأساسية التي تنظر بها سلطات التزييف إلينا، فاليوم تمتد يد المصادرة الغاشمة لتسلب قرانا أراضي عزيزة هي رمز وجودنا. ففي قرية البقيعة صودرت 8500 دونماً من مجموع 14 ألف دونماً يتبع ما تبقى منها إلى ما يسمى بحديقة (ميرون)، وفي دالية الكرمل صادروا 12 ألف دونم من 33 ألف دونم، وصادروا 70% من أراضي يانوح و1500 دونم من مجموع 16500 دونم من أراضي حرفيش. وقد صادروا نصف أراضي كفر سميع وكسرى. وصودرت سابقاً معظم أراضي الخيط البالغة مساحتها 13 ألف دونم). وفي 27/10/1975، دخلت بلدوزرات الحكم العسكري الإسرائيلي إلى أرض قرية (كسرى) الدرزية وبدأت تعمل في أرض الأخوين سعيد وأسعد سليمان عبدالله في موقع (البلحوسية) المحاذية لأرض يانوح المصادرة، فاجتمع أهل كسرى، في اليوم نفسه وأقسموا الأيمان القاطعة، واتفقوا على ما يلي:
1. أن يعتبروا أي عدوان على أية قطعة أرض، عدواناً على البلد كلها، وأن يتصدوا له ويمنعوه بالقوة مهما كانت النتائج.
2. أن يتوحدوا ويشتركوا جميعاً في الدفاع عن الأرض وبكل الوسائل.
3. إذا قتل أحد في أثناء الدفاع عن الأرض يعتبر شهيداً ومرحوماً ثم يدفن في تلك الأرض ليحميها بعد موته.
4. كل من يتخلف عن الاشتراك في الدفاع عن الأرض يعتبر (ملعوناً) ويحرم التعامل معه في المستقبل. ويعتبر كل ما يدخل بيته حراماً.
وفي اليوم الثاني 28/10/1975 هبت كسرى عن بكرة أبيها شيوخاً وشباباً ونساءً وأطفالاً، كما يقول نبيه القاسم في كتابه وهرعوا جميعاً مسلحين بكل ما تيسر، بالمناكيش والفواريع والعصي والحجارة وغيرها إلى حيث البلدوزرات، وأخرجوها من الأرض بالقوة. وعاد الأهالي إلى القرية وعقدوا اجتماعاً آخر اتخذوا فيه احتياطات أخرى وقرارات إضافية منها:
1. الاتصال بمحامين مخلصين للدفاع عنهم قانونياً.
2. وضع حراسة ورقابة فعلية على الأرض ليلاً ونهاراً.
3. الكتابة في الصحف لفضح مخططات التهويد.
4. طلب المساعدة واستنفار القرى الدرزية الأخرى إذا لزم الأمر.
5. مطالبة قائدة فرقة الأقليات بالكف عن طلب شباب (كسرى) للجيش والاحتياط؛ وذلك لحاجتهم الماسة الآن لحراسة أرضهم من الصهيونية، حسب تعبير الشاب سلمان حسين نصر الله، الذي ذهب هو وجاره سعيد غانم في تلك الليلة، على ضوء اللوكس، لحراسة أرضهما في موقع الرقراقة القريبة من البلحوسية.

وكان أهل كسرى قد طردوا، قبل ذلك، البلدوزر من أرض سلمان رشراش (الغربية) التي كان قد حضرها بلدوزر الجيش كبؤرة للنفايات، وأهل كسرى يتندرون الآن على المهندسين والمدراء والسواقين الإسرائيليين الذين هربوا من الأرض أمام وحدة الأهالي وإصرارهم، وعلى تمزيق الخرائط والأوراق وتخويف البوليس بدلاً من الخوف منه. فعندما سأل الضابط الطفل ملحم، وعمره 11 سنة، بقصد تخويفه: لماذا تحمل هذه البلطة يا ولد؟ أجابه على الفور: لأضربك بها إذا لم تخرج من أرضنا. أما الشاب سعيد عبدالله فقال: (اليد التي ستمتد على أراضي ثانية ستنكسر وإذا مت فالموت أشرف وأفضل من التسليم للظالمين واللصوص عينك عينك) (نبيه القاسم، سبق ذكره).

هكذا ناضل العرب المسلمون الدروز الفلسطينيون ضد (خصوصية الاضطهاد)، ضد (التجنيد الإجباري) ضد (نهب الأراضي)، ضد (سياسة التفرقة) ضد (الأساطير الإسرائيلية)، ضد (القومية الدرزية)، ضد (المصطلحات الإسرائيلية): (الوطن الدرزي) – (الشعب الدرزي) – (التراث الدرزي)..وغيرها. وقد استخدم الدروز في نضالهم عدة أساليب فمارسوا أسلوب النضال الجماهيري: التظاهر، الاحتجاج، وأسلوب الدفاع السلبي مثل التسجيل مسلماً سنياً، ومحاولات الانتحار، وأسلوب الدفاع الإيجابي مثل الفرار من الجندية ودخول السجن، وأسلوب الهجوم المسلح مثلما فعلت قرية كسرى، ولا يهمنا هنا نوع السلاح الذي استخدم. وما إذا كان سكيناً أو فأساً أو خنجراً أو حجراً أو بندقية، وقد حدثت حوادث اغتيال للموالين للحكومة الإسرائيلية بإطلاق الرصاص عليهم لكن هذا الشكل ظلّ ضعيفاً، وعلى الأرجح أنه سيتطور أكثر وبخاصة بعد أن كشفت إسرائيل القناع عن وجهها حول حقيقة معاملتها للدروز. ولوحظ في السنوات الأخيرة، تزايد عدد الرافضين للخدمة الإجبارية وتزايد عدد الفارين والسجناء، سجناء الضمير. كذلك لوحظ، في السنوات الأخيرة، انحسار دور الزعامة التقليدية الدرزية الموالية لإسرائيل بين جماهير الدروز، ولوحظ النمو المتصاعد لدور الجماهير الوطني وخصوصاً بقيادة لجنة المبادرة الدرزية. كما أننا نلاحظ أنه، منذ العام 1969، ازداد النشاط الوطني بين عرب 1948 ومنهم الدروز بشكل واضح. وهذا مرتبط أساساً بعاملين:
الأول منهما يتعلق بنمو حركة المقاومة الفلسطينية في الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967، وبنمو الثورة الفلسطينية في المنفى ونمو الاعتراف الدولي بمنظمة التحرير الفلسطينية.
والثاني مرتبط بازدياد نمو النضال الوطني، بين عرب 1948، إضافة إلى ما ذكرنا يمكن القول: إن التطور الذي حدث بالنسبة للثورة الفلسطينية، طريقة تعاملها مع الاتجاهات الوطنية بين عرب الجليل سارع في نمو النضال الوطني فضلاً عن أن نمو الفاشية الإسرائيلية، وازدياد الاضطهاد للعرب ومنهم الدروز، جعل العربي في فلسطين 48 يدافع عن المتراس الأخير له. ولعل مجزرة (يوم الأرض) تعتبر نموذجاً للفاشية الإسرائيلية ونموذجاً للتصدي العربي الذي أصبحت هذه المسألة بالنسبة له مسألة حياة أو موت.

يسأل هادي زاهر، الشيخ قاسم فرو، في مقابلة صحفية: ما هي الامتيازات التي تمنحها السلطات للدروز ولا تمنحها لباقي العرب؟!!!
ويجيب الشيخ الدرزي الجليل قائلاً: انظر إلى قرانا تعرف الجواب، إنه لا يوجد أي وضع خاص بنا نحن الدروز، اللهم إلاّ (المقبرة العسكرية) الموجودة في قريتنا والتي تضم في ثراها عدداً كبيراً من الشبان الذين جُندوا وسقطوا نتيجة للصفقة التجارية التي عقدت بين حكام إسرائيل والزعامة التقليدية). وحاتم إسماعيل حلبي من دالية الكرمل، وعضو سكرتارية لجنة المبادرة الدرزية يقول: (ليس صحيحاً القول أن الدروز طالبوا بأن يجندوا، فهذا خطأ من أساسه، وجميعنا شهود عيان على المعارضة الجبارة من أبناء الطائفة الدرزية التي واجهتها السلطة في حينه، ففي عام 1956، حين أقرت السلطة نظام التجنيد الإجباري، وقّع 40 شخصاً مع التجنيد ووقّع 1600 شخصاً ضد التجنيد) (مؤتمر المبادرة، شفا عمر، (نشرة واحدة)، منشورات لجنة المبادرة الدرزية، 1978).

وفي تموز 1978، قدّم النائب توفيق طوبي باسم كتلة الجبهة الديمقراطية للمساواة والسلام، اقتراحاً عادياً لجدول أعمال الكنيست لبحث موضوع تجنيد الشباب العرب الدروز، لأول مرّة. وجاء في اقتراع طوبي:
(إن حملة اصطياد الشبان العرب الدروز، وحملات الإرهاب البوليسية التي شنتها قوات الجيش والبوليس على أبناء الطائفة الدرزية يثبت أن هناك ضرورة ملحة للأخذ بالاعتبار رفض الشبان الدروز خدمة سياسة الاحتلال والتمييز لأسباب تتعلق بالضمير. ولذلك فإننا نطالب بإدراج هذا الموضوع على جدول أعمال الكنيست لإلغاء التجنيد الإجباري المفروض على أبناء الطائفة الدرزية وتحويله إلى خدمة اختيارية) (الاتحاد، 18/7/1978).

وقالت جريدة الاتحاد: (بإجراء حساب بسيط تكون حصة الألفي نسمة (عدد سكان البقيعة) هي 30 سنة سجن فعلي؛ وعليه فإن حصة الـ 35 ألف مواطن عربي درزي تكون أكثر من 500 سنة سجن فعلي). واستنتجت الاتحاد هذا بعد أن سجن 40 شاباً من البقيعة 31 سنة سجناً فعلياً. وهؤلاء الشباب هم: عماد زين الدين، يوسف خير، صالح زرقا، علي زرقا، جمال خير، صالح حميد، شفيق زرقا، أنور عباس، جمال مداح، عبدالله عامر، سليم أبو جنب، محمود سعيدة، فواز سليم، يوسف سليم، فؤاد سليم، كمال رمضان، محمد عامر، فضول أسد، سلمان عباس، غالب خير، سميح خير، سميح حيساوي، سلمان زرقا، حسين مهنا، أحمد العلي، حمزة الدين، أمين مهنا، محمد مهنا، محمد عباس، علي سويد، هاني خير، كمال سويد، سليمان سويد، نعيم خير، كمال خير، كمال حسن. (الاتحاد، 14/7/1978).

وهنا لا بد من الإشارة إلى قضية مهمة فقد كتبت صحيفة الاتحاد ما يلي: (أعلن الشباب الدروز إسلامهم أي غيروا الهوية من درزي إلى مسلم)، ونجد كتاب (واقع الدروز في إسرائيل) يقول مثلاً: (هبّ المسلمون والمسيحيون والدروز في وجه السلطة)؛ وهذا خطأ غير مقصود كما أعتقد. فالمذهب الدرزي أحد المذاهب الإسلامية.

وفي تموز أيضاً، أصدرت لجنة المبادرة بياناً تستنكر فيه الهجمة البوليسية على القرى العربية الدرزية المسلمة، وقال البيان: (لقد أعلنن السلطة شهر أيار كشهر للدروز، وكان حافلاً بالمحاضرات والندوات التي تتحدث عن (تحالف الدم) ولم يكد أيار ينتهي حتى أصبح شهر (حزيران) شهر مطاردة الدروز واعتقالهم وإرهابهم. واليوم يتساءل أبناء الطائفة الدرزية: إلى متى سنظل نعاني من هذه السياسة وهذا الظلم؟ وطبعاً لم يفلت من هذه الهجمة (الإيجابيون) ومن لف لفهم (أي الزعامة التقليدية التابعة للسلطات) وهم يتساءلون كذلك: هل هذه هي المكافأة). (الاتحاد، 4/7/1978).

ويعلق حنا إبراهيم في مقالة له بعنوان: (خواطر في شهر الدروز): (في نهاية الشهر قدم يروحام ميشل، سكرتير الهستدروت العام، هديته للطائفة الدرزية بشكل مجلس عمال درزي لقرى الجولان والجليل وبذلك يتابع الحملة الصهيونية القديمة لفصم الدروز عن القومية العربية وجعلهم (قومية) منفصلة لها تراثها ومدارسها ومناهجها ومحاكمها الشرعية الخاصة. فالجماهير الدرزية ترفض أن تلعب دور (القوزاق) في عهد القيصرية). (حنا إبراهيم، خواطر في شهر الدروز، المصدر نفسه، 2/6/1978).

ويكتب الشاعر نايف سليم تحت عنوان (تراث درزي وتهذيب حقاً أم وقاحة صهيونية تفرض علينا تحت أسماء مستعارة؟). ويقول: (بعد قراءة سريعة لبعض كراريس ما يسمونه بـ (التراث الدرزي) المفروض حالياً للتعليم في مدارس قرانا العربية الدرزية وجدت ما يلي: (في كراس) عيد الأضحى) صفحة 3 جاء: (قد يُسأل المعلم: هل هو درس دين أم درس تراث؟ والجواب إن هذا الدرس هو درس التربية الدينية وإن موضوع التراث هو الموضوع الوحيد الذي يستطيع أن يقوم بهذه المهمة). ولكن في كراس (عيد النبي شعيب) صفحة 19 جاء هذا العنوان الاستفزازي الذي ينزل بالتربية الدينية والتراث إلى الحضيض الغرامي، والعنوان هو: (دبكة نسائية). وقد جاء فيه: (وأمسكت كل راقصة بخاصرة الأخرى ورحن يتمايلن بانتظام، أما الشيوخ فراقبوا الدبكة من بعيد). وفي صفحة 12 من نفس الكراس جاء هذا التعبير: كان سيدنا موسى ينظر نصيحة شعيب) هكذا! (موسى سيدنا)، أما (شعيب) فـ حاف بدون سيدنا. أو يقول الكراس: (يترو كاهن مدين هو شعيب وهو حمي موسى وهو رعوئيل أبو صفورة، وإن ليترو سبعة أسماء) ويعود ويخترع النظرية الشاذة التالية: (إنه لا خلاف بين رأي التوراة ورأي الدروز في هذا الموضوع)!!َ!. والمؤلف يعرف أن الخلاف جوهري جداً. كذلك يصف الكراس: (النبي شعيب طول قدمه نصف ذراع) أو (استشاط النبي الشيخ غضباً) أما عن الحاكم بأمر الله الفاطمي فيقول كراس (الأمانة): (لقد حارب الحاكم بأمره الغش، وأصدر القوانين لمراقبة الموازين. وأما في دولتنا اليوم، فمن المهمات الرئيسية التي تقوم بها وزارة التجارة والصناعة مراقبة العيارات، وفي الماضي استعملت عيارات من الحجارة، والقانون في إسرائيل يعاقب من يخالف الأسعار).

وفي كراس (النبي رسلان) جاء: إن (سبلان هو زبولون بن يعقوب). ثم في نفس الكراس: (واستحدثت بمبادرة الهستدروت عادة جميلة، وهي تنظيم مسيرة للنبي سبلان تشترك فيها فرق الشبيبة، والكشاف الدرزي والفرقة الدرزية في جيش الدفاع الإسرائيل وفرق يهودية). وأما عن مصادرة أوقاف هذا النبي مع أغلب أرض حرفيش قريته المجاورة وأرض بقية القرى فلم يذكروا شيئاً. وفي صفحة 4 كتبوا: (إن من أهداف تدريس التراث إبراز استقلال الطائفة) و(أن يتعلم الطالب أن مقام النبي شعيب كان مبنياً ومشهوراً قبل معركة حطين وقبل صلاح الدين). (نايف سليم، المصدر نفسه، 17/2/1978).

هذه بعض الأمثلة مما يسمونه (التراث الدرزي) والذي يهدف، كما سبق وقلنا، إلى خلق الخصوصية الدرزية الموهومة.
في تموز من عام 1978، نقرأ خبر اعتقال أربعة شبان من (المسلمين الشركس الفلسطينيين من قرية (كفركما) الفلسطينية وقد صرح هؤلاء الشباب في مكتب التجنيد عن عدم استعدادهم لحمل السلاح لمحاربة أخوتهم عبر الحدود وقد حملوا شهادات (تديّن) من إمام القرية ولكنهم اعتقلوا، والشباب الشركس الأربعة هم: محمد شمسي وشوقي ليفاوي وعبد الحليم شوكن وأحمد شمسي) (المصدر نفسه، 18/4/1978).

لجنة المبادرة الدرزية: المؤتمر الأول، 1978:

في 9 أيلول 1978 انعقد المؤتمر الأول للجنة المبادرة الدرزية التي كانت قد تأسست عام 1972 في (شفا عمرو)، وقد كان هذا المؤتمر علامة هامة في نضال الطائفة الإسلامية الدرزية الفلسطينية العربية في فلسطين، يرحب الشيخ صلاح شوفانيه بضيوف المؤتمر ويعطي الكلمة لرئيس المؤتمر الأديب الفلسطيني (محمد نفاع)، فيقول محمد نفاع في كلمة الافتتاح: (نفتتح أيها الأخوة هذا المؤتمر المبارك، المؤتمر الأول للجنة المبادرة الدرزية ومؤيديها، رافعين راية العصيان والرفض في وجه سياسة التفرقة والبطش والضياع..متحدّين ومتحدين. وإذا كان الآباء في الماضي قد رفضوا الرديف زمن الحكم الاحتلالي التركي لمحاربة شعب اليمن. فمن الطبيعي أيضاً أن يرفض الأبناء اليوم أن يكونوا أداة قمع وعدوان ضد الشعوب العربية وضد شعبنا العربي الفلسطيني بالذات). ويرى محمد نفاع أن الممثل الحقيقي للدروز ليس الزعامة المنتفعة من إسرائيل بل من يقارع سياسة الظلم، وينهي كلمته قائلاً: (نعم، نحن الذين لنا أن نفخر بسلطان الأطرش والشهيد أبي الوليد (كمال جنبلاط) علمين من أعلام الأصالة والتضحية). ويلقي الشيخ فرهود فرهود القائد الوطني للدروز الفلسطينيين كلمته صارخاً: أهو قليل، أيها الأخوة، محاولة تجريدنا من عروبتنا؟ ومع كل هذا أليس التمييز العنصري واحتقار كل من ليس بيهودي أليس هذا واضحاً للعيان؟). واستعرض (جهاد سعد) عضو سكرتارية لجنة المبادرة الدرزية من شفا عمرو إنجازات لجنة المبادرة، وعدد هذه النضالات كما يلي:
1. في عام 1956، وقع 1600 شخصاً على عريضة ضد سن قانون التجنيد الإجباري وتظاهر المئات.
2. في عام 1959، وقعت المعركة المباشرة مع السلطة ضد سن قانون التجنيد.
3. في عام 1964، وبمبادرة من بعض الشبان الذين أطلقوا على أنفسهم (الدروز الأحرار) صدر بيان وُزِّع في مقام النبي شعيب عليه السلام، أثناء زيارة ليفي أشكول للمقام. وكان مضمون البيان ما ننادي به اليوم.
4. في عام 1971، أصدر الشيخ فرهود بيانه الذي كان بمثابة النداء الأول للجنة المبادرة الدرزية.
5. في عام 1972، تشكلت لجنة المبادرة الدرزية.
6. الهبّة الشعبية في مقام النبي شعيب عليه السلام عام 1974 حيث اشتبكت الأيادي وتحدت سواعد الشبان، بوحدة رائعة، السلطة وزلمها، مفشلين مؤامراتهم الرامية إلى تحويل الأماكن المقدسة لمهرجانات سياسية تخدم مطامع السلطة وحكامها وأحزابها فقط.
7. توسيع صفوف لجنة المبادرة الدرزية وتقويتها وجعلها ملجأ لجميع أبناء الطائفة الذين تظلمهم السلطة وسياستها، ولجميع التقدميين والوطنيين من أبناء الطائفة. وباشرت بافتتاح فروع لها في عسفيا، دالية الكرمل.
8. المشاركة الفعّالة، والتاريخية والمسؤولة، والوطنية الموحّدة في التحضيرات ليوم الأرض الخالد في تموز 1976 والعمل على إنجاحه.
9. عقد الندوات والمحاضرات التثقيفية، وتوزيع البيانات الهامة في القرى التي افتتحت فيها فروع وقبل زيارة النبي شعيب عليه السلام.
10. التوقيع على العرائض ضد التجنيد الإجباري؛ وذلك في جميع القرى الدرزية والحصول على قرابة 7 آلاف توقيع.
11. القيام بأعمال تطوعية في الأماكن المقدسة، وفي الناصرة الصامدة.
12. عقد الاجتماعات والمسيرات الاجتماعية، عند اغتيال الزعيم الوطني الشهيد كمال جنبلاط وإرسال التعزية من على صفحات جريدة (الاتحاد).
13. المشاركة الفعّالة والرسمية للقوى التقدمية والوطنية العربية واليهودية في إقامة جبهة ديمقراطية موحّدة للسلام والمساواة ودعمها.
14. إنشاء لجان شعبية.
15. إصدار نشرة (صوت المبادرة) التي وزعت بشكل واسع في القرى الدرزية وفي الجامعات.
16. التضامن مع الشبان العرب الدروز في نضالهم العادل لإلغاء التجنيد الإجباري كما حدث في (شفا عمرو) تحضيراً لمؤتمر كوبا للشباب الديمقراطي.
17. إيصال كلمة الدروز إلى الكنيست، قدمها باسمنا ممثلنا في الجبهة الديمقراطية السيد توفيق طوبي طالباً إلغاء التجنيد الإجباري.
18. إصدار نشرة ثانية وهي (نداء المبادرة) دعونا فيها الأهالي إلى أن يُعيّدوا عيد الفطر، وطالبنا بإلغاء التجنيد الإجباري.
19. افتتاح فرع للمبادرة في جامعة القدس في آب 1978.
20. عقد مؤتمر صحفي في 29/8/1978 في بيت سوكولوف في تل أبيب! حيث اشترك فيه ممثلون عنا لإسماع مطالبنا وشكوانا للرأي العام المحلي والعالمي. (مؤتمر المبادرة، مصدر سبق ذكره، قدم التقرير جهاد سعد).
وقد وصلت للمؤتمر الأول للجنة المبادرة الدرزية تحيات من: (مؤتمر منطقة المثلث السابع للحزب الشيوعي الإسرائيلي) و(من المؤتمر الشعبي لعرب المفجر) و(من مجلس مجد الكروم) ومن (شباب النهضة السورية المحتلة) و(من رابطة الطلاب الجامعيين أبناء عكا) و(من الشيخ أحمد القضماني مجدل شمس – هضبة الجولان السورية المحتلة). وإضافة للتحيات والبرقيات ألقى الطالب فريد غانم كلمة الطلاب العرب الدروز في جامعة القدس وطالب فيها بدعم لجنة المبادرة وأكد على ضرورة تطوير عملها النضالي. وألقى الشاعر نايف سليم من البقيعة وعضو سكرتارية لجنة المبادرة الدرزية كلمة ضمنها اقتراحات لتطوير العمل النضالي ونادى بضرورة فضح (التدريز) السلطوي ومكافحة كل تنظيمات (فرق تسد) من منظمة (الدروز الصهيونية) إلى العسكرة في المدارس إلى حلف اليمين في الزيارة للجنود إلى (العرب والدروز) في أجهزة الإعلام إلى اختراع (القومية الجديدة) في الهوية، إلى تزعيم عملاء السلطة..الخ. وألقى حاتم حلبي كلمة (دالية الكرمل). كما ألقى الشيخ قاسم فرو عضو لجنة المبادرة في (عسفيا) كلمة أخرى شدّد فيها على ضرورة النضال. وألقى شفيق زاهر من عسفيا عضو سكرتارية اللجنة كلمة عدد فيها بعض منجزات اللجنة فقال: (إن لجنة المبادرة (فرع عسفيا) قامت في السنتين الأخيرتين بالإنجازات التالية:
1. إقامة فروع جديدة وجمع تواقيع ضد التجنيد وفضح عملاء السلطة.
2. اتصلت اللجنة بعصبة حقوق الإنسان وعرضت المشاكل الدروز.
3. أجبرنا الإذاعة والتلفزيون الإسرائيليين على الاعتراف باللجنة، حيث أنهم التزموا الصمت طيلة هذه السنين، وعقدنا مؤتمراً صحافياً في تل – أبيب لفضح سياسة الاضطهاد.
4. طالبنا بتسجيل (عربي) بدلاً من (درزي) في الهوية. وهذا بفضل الأخوين كمال وكميل كيوف من عسفيا اللذين بادرا إلى تحمل المسؤولية أمام المحاكم وفي السجون.
5. شاركنا في 25/7/1978 في المهرجان العالمي الحادي عشر للشباب الديمقراطي الذي عقد في هافانا عاصمة كوبا. وألقينا كلمة في جلسة حضرها مندوبون عن 125 دولة.
- وقد اتخذ المؤتمر الأول للجنة المبادرة الدرزية عام 1978 القرارات التالية:
1. تقوية لجنة المبادرة وتشديد الكفاح من أجل تحقيق أهدافها وهي:
أ‌. إلغاء التجنيد الإجباري.
ب‌. الكف عن مصادرة الأراضي وإعادة ما صودر منها.
ت‌. الكف عن التدخل في شؤون ديننا وعروبتنا.
ث‌. المساواة التامة بين المواطنين بدون تمييز قومي وطبقي.
2. تقوية التعاون بين لجنة المبادرة الدرزية..والقوى التقدمية اليهودية والعربية المستعدة للتعاون مع اللجنة من أجل تحقيق أهدافها.
3. الاشتراك الفعّال في كل المعارك الشعبية والرسمية واستغلال كل المنابر الممكنة من أجل رفع صوت جماهيرنا المظلومة.
4. إصدار بيان من هذا المؤتمر لتأييد مرشحي لجنة المبادرة والجبهة الديمقراطية التي تشكل لجنتنا شريكاً فيها لانتخابات المجالس المقبلة في قرانا. (المصدر نفسه).

كما وجه المؤتمر القطري الأول للجنة المبادرة الدرزية الذي عقد في (شفا عمرو) بتاريخ 9/9/1978 نداء إلى الجماهير، جاء فيه: (أمام الدعاية لسنا عرباً وأمام السياسة العنصرية نحن (عرب مئة بالمئة). لقد صادرت إسرائيل حوالي 70% من الأراضي العربية الدرزية. لقد عادت بنا سلطات إسرائيل إلى أيام (السفر برلك) إلى أيام (الفرارية) التي تسمعون عنها من الآباء والأجداد. عادت إلى قرانا الغزوات العسكرية والكبسات البوليسية التي تنتهك حرمات البيوت وتروع النساء والأطفال).(المصدر نفسه).

وجاء في النداء أيضاً: (وكالعادة، فقد تساءل بعضهم عما إذا كانت وراء لجنة المبادرة الدرزية (سياسة شيوعية!! معادية للدولة) وقلنا لهم جميعاً وبمنتهى الوضوح: إن لجنتنا حركة شعبية غير حزبية ولكنها لا تمنع أعضاءها من أن ينتموا إلى أي حزب يشاءون ما داموا ملتزمين بخطها ويعملون على تنفيذ برامجها المعلنة، وإذا كان الحزب الشيوعي الإسرائيلي هو الحزب الوحيد الذي يؤيد مطالبنا فنحن لا نرد على المعروف بالمنكر ونحن نشكر كل من يؤيدنا. ونتصدى لكل من يعادينا). وكانت لجنة المبادرة قد عقدت مؤتمراً صحافياً قبل انعقاد مؤتمر المبادرة الأول بعشرة أيام في بيت سوكولوفا في تل – أبيب لشرح أهدافها. وقد شارك فيه الشيخ فرهود فرهود وسميح القاسم وجهاد سعد. ووزع في المؤتمر الذي انعقد في 29/8/1978 بيان صحفي، ومما جاء فيه: (نحن نعاني من نهب مستمر لأراضينا بحيث صودر حتى الآن أكثر من 70% منها، فمثلاً قرية حرفيش كانت تملك سنة 1948، 16500 دونم، وقد صودر منها حتى الآن 11500 دونم وبقي 5000 دونم فقط وأغلبها معرض لمصادرات جديدة. بينما عدد سكان حرفيش يتضاعف كل عشر سنوات تقريباً. مما يهدد بعدم بقاء أرض لإقامة البيوت أو حتى المقابر في المستقبل، وقرية يركا مثلاً كانت تملك 50 ألف دونم أرضاً، وقد صودر منها حتى الآن أكثر من 44 ألف دونم وبقي أقل من 10 آلاف دونم. وشفا عمرو كانت تملك 33 ألف دونم صودر منها 18 ألف دونم. وقرية كسرى التي دفع سكانها ملايين الليرات حتى أصلحوا أرضهم، فهي مطالبة بالتنازل عن 10800 دونم من أصل 11200 دونم كل ما تملكه من أرض. ونحن نعاني من تمييز صارخ في جميع المعاملات مع الدوائر الحكومية، فهناك نقص في المدارس ورخص العمار والمياه للري والمشاريع الصناعية في معظم قرانا. وهناك تمييز ضد مجالسنا المحلية من حيث حصة الفرد من الميزانية. ومن حيث الهبات، فميزانية قرية (بيت جن) الدرزية مثلاً لعام 1978 هي 2.800.000 مليون ليرة بينما ميزانية (معلوت) اليهودية هي 32 مليون ليرة بالرغم من أن عدد سكان القريتين متساو.

وفي مجال التعليم الجامعي مثلاً، تبين في تقرير لليونسكو أن أدنى نسبة طلاب جامعيين في العالم هي في البرازيل – 12 طالباً جامعياً لكل ألف نسمة. ويتبين من القائمة التالية أن نسبة الطلاب الجامعيين في قرانا الدرزية هي أدنى من البرازيل بكثير.
القرية السكان
نسمة الطلاب الجامعيون الخريجون النسبة للألف من السكان
ساجور 1500 7 8 10
يانوح 1600 10 1 7
بيت جن 5000 16 1 5
عين الأسد 400 1 1 5
يركا 6000 8 10 3
كسرى 1200 صفر 1 0.8/ 1000

وفي المؤتمر الصحفي، جاء دور مراسل إذاعة إسرائيل بالعبرية ليسأل: هناك 3 مقاعد للدروز في الكنيست، في حين أن أصوات ذوي حق الاقتراع من الدروز مجتمعين لا تساوي ولا تكفي لهذا العدد فكيف تقولون أن الدروز مظلومين؟ فرد حاتم حلبي قائلاً: هؤلاء الثلاثة ليسوا ممثلين للطائفة الدرزية ولم يصلوا للكنيست بأصوات الطائفة بل بأصوات اليهود. كما أنه لا يوجد ممثل للطائفة في الكنيست فليس لدى الطائفة (قائمة درزية) وعقب المراسل سائلاً: إذن هناك مساواة بين اليهود والدروز وأنتم تقولون عكس ذلك؟ ويجيء الرد: (اليهود الذين أوصلوا هؤلاء الثلاثة إلى الكنيست صوتوا لبرنامج سياسي التف هؤلاء تحت جناحه ولم يصوتوا لهم لأنهم دروز). (الاتحاد، 1/9/1978).

- وفي آب 1978، أيضاً أصدرت لجنة المبادرة نشرة بعنوان (نداء المبادرة)، وقد نشرت نص خطاب (توفيق طوبي) أمام الكنيست تحت عنوان (لن تكون الطائفة العربية الدرزية سنداً لسياسة الاضطهاد القومي) ومما جاء فيه:
(إن أكثر من 60% من الشبان الدروز يرفضون أوامر الخدمة وبعدها تبدأ معركة بين السلطات وهؤلاء الشبان الرافضين. وإننا نلاحظ ظاهرة جديدة وهي أن العشرات من أبناء الطائفة الدرزية يعلنون (إسلامهم) السُنَي، ليتخلصوا من التجنيد. إننا نعرف أن الكثيرين من الشبان الدروز الذين جندوا رغماً عنهم حاولوا الانتحار، وفي شهر نيسان الماضي حاول الشاب سميح قنطار من عسفيا أن ينتحر، كذلك كامل زاهر من عسفيا وحسين شاهين من شفا عمرو وعايش شروف من عسفيا ومحفوظ فاضل ورشيد بشير من المغار. كذلك حاول الشاب صالح ملا الانتحار في السجن. وفي السجون العسكرية يقبع العشرات من أبناء الطائفة الدرزية لرفضهم الخدمة. ونعرف أن 650 شاباً درزياً تلاحقهم الشرطة بسبب رفضهم وتهربهم من الخدمة الإجبارية. إننا لا نفهم كيف يمكن أن تسري أوامر الإقامة الجبرية حسب قانون الطوارئ. ونحن نعرف كيف عاملت السلطات الشيخ المتدين مفيد أبو يمن. إنه أب لثمانية أطفال فقد اعتقلته الشرطة وضربته وأجبرته على خلع ثيابه ووضعوا (لفّته) في كيس واحد مع نعليه واعتقل 18 يوماً وعومل معاملة فظة ومهينة). (نداء المبادرة، نشرة أصدرتها لجنة المبادرة الدرزية، آب 1978).

- جاء في هآرتس 11/8/1978 على لسان شخصية حكومية بارزة ما يلي: الاستيلاء على أرض الدولة في الجليل من جانب القرويين أمر خطير إلى حد أنه يمنع التخطيط في المستقبل؛ الأمر الذي يحتاج إلى اتخاذ إجراءات سريعة وشديدة، ويظهر أنه لا مفر من جلب (الدورية الخضراء) أو إقامة جسم كهذا من أجل مكافحة الظواهر السلبية في الجليل وفرض النظام. وقد وضعت أمام هذه الشخصية الرسمية صور التقطت من الجو توضح مدى أخذ الفلاحين أبناء الأقليات، وتبين من خلال جولة موظفين كبار أن الفلاحين أعدوا (أرض مراعي) من أجل الاستيلاء عليها، (لا فرق في هذا بين بدو أو فلاحين، مسلمين، دروز، ومسيحيين) على السواء. وهذا يجري في قطع نائية في الأودية التي لا يستطيع الوصول إليها سوى رعاة الماعز. وتواصل (هارتس) قولها: (وتبين أن عدداً من القرى العربية التي أقيمت مؤخراً دون إذن ودون تخطيط تتسع على مساحات واسعة وفي كل اتجاه وهم يبنون في كروم واسعة ونائية وبالتدريج يطوقون أراضي الدولة بالبناء بهدف واضح وهو إقرار حقائق). (هآرتس، 11/8/1978، نقلاً عن نشرة نداء المبادرة، آب 1978).

- يشير عام 1979 إلى ازدياد عدد الرافضين للخدمة الإجبارية. ففي شباط تم اعتقال فريد غانم من المغار ونهاد حمدان عطا الله ورايق عطا الله ودريد خطار وهزاع أمون ونهاد مهنا عطا الله والشاعر الشاب مفيد قويقس ويحيى عطا الله وصالح عطا الله وأسعد حمود من قرية يركا. كما تم اعتقال مازن سويد وياسر خير ورامي خير من البقيعة وتم اعتقال سليم قائد بيه وعادل قائد بيه ومنير حامد ونزيه عليان من شفا عمرو(*). (بيان أصدرته لجنة المبادرة الدرزية، بتاريخ 26/4/1979).

- وتصدر لجنة المبادرة الدرزية بياناً في 16/4/1979، حول اعتقال الشاب المتدين نديم أمين دعقة جاء فيه: (بتاريخ 28/2/79. اعتقلت سلطات الجيش، وبشكل استفزازي الشاب أمين دعقة ابن شفا عمرو الذي يبلغ من العمر 21 سنة، متزوج وامرأته حامل. في تاريخ 13/2/1975 استلم شهادة متدين تعفيه من الخدمة الإلزامية ولكنهم لم يعترفوا بها حتى اضطر لإحضار شهادة تأجيل يوم 7/7/1978 لمدة سنة.

- وفي التاريخ المذكور أي 28/2/79 اعتقل وفي حوزته جميع هذه الشهادات. ولقد علمنا حتى الآن بأن العائلة توجهت إلى الرئاسة الروحية وأحضرت شهادة أخرى بتاريخ 21/3/1979، وذلك لإطلاق سراحه، ولكن بدلاً من الاهتمام واحترام الشهادات، اهتموا بنقله إلى سجن الصرفند العسكري، وهناك بدأوا، كما علمنا من أهله، باستعمال أساليب وحشية وغير إنسانية لإرغامه على التجنيد... ومن هذه الأساليب إقناع أحد المساجين المتعاملين مع سلطات الجيش ليشهد بأن الشاب نديم يتعاطى الحشيش... والغريب أنهم لم يقدموه للمحكمة العسكرية، خوفاً من فضحه لهم. لقد سبق ولقي مثل هذه المعاملة الشيخ هايل أبو غوش من قرية المغار والشيخ مفيد أبو يمن من الرامة). (جهاد سعد، الاتحاد، 18/5/1979).

- وبعد أن فشلت السلطة الإسرائيلية في تحويل مقام النبي شعيب منبراً سياسياً لها لجأت، عن طريق الهستدروت، إلى إقامة هذه المهرجانات السياسية في مقام النبي سبلان. (ففي 12 أيار 1979 جرت في قرية حرفيش المسيرة السلطوية التي تنظمها الهستدروت للسنة الرابعة وتطلق عليها اسم (المسيرة اليهودية الدرزية إلى سبلان). وقد بدأت المسيرة في مستوطنة سعسع وانتهت في مقام النبي سبلان؛ حيث عقد رجال السلطة مهرجاناً سياسياً على غرار المهرجانات التي كانت تعقد في مقام النبي شعيب، والتي ألغيت بضغوط من لجنة المبادرة الدرزية). (جهاد، سعد، الاتحاد، 18/5/1979).

- وفي أيار أيضاً، تباحث رؤساء المجالس المحلية في القرى العربية الدرزية: المغار والدالية وعسفيا وبيت جن والبقيعة وجولس، وحرفيش، ويركا وأبو سنان، في اجتماع عقدوه في عكا بالخطوات الواجب اتخاذها لرفع الحيف والظلم اللاحقين بالقرى العربية الدرزية. وتعاني هذه القرى العربية الدرزية وعددها 16 قرية، كغيرها من القرى العربية في البلاد عامة، من سياسة الخنق المالي وهدم البيوت ومصادرة الأراضي وعدم إقرار خرائط هيكلية وتقليص مسطحاتها. وقد أثار المجتمعون مماطلة السلطات في الرد على مظالمهم. (المصدر نفسه، 1/6/1979). وتنشر (الاتحاد) أسماء معتقلين جدداً رفضوا الخدمة الإجبارية وهم علي قشقوش، 21 عاماً، شفا عمرو؛ فواز أبو شاح، 20 عاماً، شفا عمرو؛ كميل فلاح، 18 عاماً كفر سميع. (المصدر نفسه، 15/6/1979). ويشرح حاتم حلبي، في (الاتحاد) الدور التخريبي الذي تقوم به مجلة (الهدى) الممولة من السلطات لتشويه سمعة الطائفة الدرزية. (حاتم حلبي، مجلة الهدى واللقمطة الكلامية، المصدر نفسه، 22/6/1979). وفي آب 1979، قدم النائب توفيق طوبي اقتراحات للكنيست منها:
(إلغاء قسم المعارف للدروز ونقل شؤون التعليم في الوسط العربي بما فيها القرى الدرزية مباشرة إلى مكاتب وزارة المعارف والثقافة). (قرارات لجنة المعارف حول التعليم في والوسط الدرزي، واقتراحات نصر الله وتوفيق طوبي، المصدر نفسه، 3/8/1979).

- وفي أيلول 1979 تنشر (الاتحاد) في زاوية (مع رافضي الخدمة الإجبارية) أسماء بعض من يرفضون الخدمة الإجبارية وهم: سليم قشقوش ومهنا زيد، ونزيه مهنا رعد من شفا عمرو، وشكيب بشير ونكد بشير من قرية المغار. وجميعهم يرفضونها لأساب (ضميرية ومبدئية). (جهاد سعد، 7/9/1979). كذلك تم افتتاح فرع للجنة المبادرة الدرزية في بئر السبع بدعوة من جبهة الطلاب العرب في جامعة بئر السبع وتكلم في الاجتماع: جهاد سعد وسلمان ناطور، وتقرر في الندوة إرسال تحية لدروز الهضبة السورية المحتلة تضامناً معهم ضد الاحتلال ورفض الهوية الإسرائيلية والمطالبة بإلغاء الإقامات الجبرية المفروضة على الشخصيات الوطنية في هضبة الجولان. كما استنكر المجتمعون ما يسمى بـ (التراث الدرزي)، وشجبوا قرارات الجامعة العبرية التي قضت بطرد الطلاب عزمي بشارة وناظم بدر وشحده بن برّي وثابت أبو راس، وقرروا إرسال تحية للدروز القابعين في السجون. (المصدر نفسه، 18/9/1979). وأصدرت لجنة المبادرة بياناً للرأي العام ردت فيه على ما تتبجح به السلطة وأعوانها (بأنها حلت مشكلة الأراضي في القرى الدرزية في أعقاب الزيارة التي قام بها مدير أراضي إسرائيل يعقوب عنكين بتاريخ 22/11/1979). (المصدر نفسه، 21/9/1979).

ونشرت (الاتحاد) مقالاً تناولت فيه الاعتقالات البوليسية التي قامت بها السلطات ضد الدروز رافضي الخدمة، ونشرت أسماء المعتقلين: سليم قائد بيه وشقيقه، عادل ومفيد شوفانيه، وموفق أبو عبيد وهايل كمال أبو حمود وسعيد سليمان دعقة ورفيق شاهين ومجيد شاهين، وجمال خنيفس. وأعادت السلطات اعتقال الشاعر الشاب مفيد قويقس وحمزة زاهر. (المصدر نفسه، 31/9/1979). وكانت لجنة المبادرة الدرزية قد أصدرت بياناً قالت فيه:
(قام جهاز الشين بيت، مؤخراً بتوزيع منشور وقعه باسم (حلقة العمل الدرزية) مليء بالتهجم الشخصي الحاقد والبذيء على لجنة المبادرة وما تقوم به من أعمال ونضالات ناجحة، والتأييد الجماهيري الواسع الذي تحظى به، أصبح يزعج جداً أجهزة الظلام والقهر القومي واليومي...فالصراخ على قدر الوجع دائماً) وكرر البيان مطالبته بإلغاء التجنيد والكف عن مصادرة الأراضي...الخ). (وأما الزبد فيذهب جفاء، منشور أصدرته لجنة المبادرة الدرزية في تموز 1979).

- واستنكرت لجنة المبادرة الدرزية محاولة الاستيلاء على أراضي جت الجليلية (حيث قام 40 شخصاً يهودياً باقتحام الأرض التي يمتلكها ويفتلحها مزيد عباس، مستغلة غيابه عن القرية). (الاتحاد، 2/11/1979). وحذرت الجبهة الديمقراطية للمساواة والسلام، في بيان لها، الأهالي قائلة: (إننا ندعو الأهالي وأصحاب الأرض المهددة بالمصادرة أن يحافظوا على أرضهم، إننا نحذر من أن ما حدث لأهالي معليا، سخنين، كسرى، البقيعة، وعرب النقب، سيحدث غداً لأهالي دالية الكرمل وعسفيا، ولذلك ندعو أصحاب الأرض لأن يقيموا لجنة الدفاع عن أراضيهم، كما ندعوا المجلسين المحليين لأن يتجندوا من أجل هذه المهمة الشجاعة. المطلب ليس تأجيل دفع الضريبة بل إلغاء الضريبة. إن من يفقد أرضه اليوم، يفقد بيته غداً، ونحن نرفض أن نكون لاجئين في وطننا). وقال بيان الجبهة: (لذا سندعوكم لحضور الاجتماع الشعبي لبحث هذه القضية الخطيرة يوم الأربعاء 29/8/1979 في قاعة نادي كمال جنبلاط في عسفيا) ووقع على البيان فرعا الجبهة في الدالية وعسفيا. (بيان صادر عن الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة تحت عنوان "الأرنونة وسيلة لمصادر الأرض، فاحذروا" هذا البيان بدون تاريخ ولكن تقديرنا أنه صدر في 27 أو في 28 آب 1979).

- وجاء في بيان آخر للجبهة أيضاً قولها: لم تعد تخدعنا الأقاويل بأن (القرية الدرزية تختلف عن بقية القرى العربية بأن أبناءها يخدمون في الجيش؛ فنحن في نظر السلطات كبقية العرب ولا مكان لنا في الدولة الصهيونية حتى وإن أجبرنا على تقديم 18 ضحية) (سلمان ناطور، "ماذا أعد زعماء القرية لمواجهة نظر الهدم الداهم"، تقرير خاص من عسيفا، "الاتحاد"، 30/1/1979، منضور في كراس مستقل (اعتمدت على الكراس المستقل).

- ويكتب (سلمان ناطور): (عسفيا ودالية الكرمل قريتان عربيتان تتربعان على مرتفعات الكرمل الخضراء...وعلى هذه المرتفعات يعيش حوالي 15 ألف نسمة... أكثرهم يعملون في مصانع حيفا والميناء وفي أعمال الحفريات...وفي القريتين طبقة صغيرة جداً من التجار ومتعهدي العمل وعدد من المثقفين البرجوازيين، وهذه الطبقة هي التي تتحكم في شؤون الأهالي العمال الكادحين...ضمن إطار تقليدي راسخ: العائلية. عندما تدخل عسفيا تطل عليك مقبرة ضحايا التجنيد الإجباري المفروض قسراً على أبناء الطائفة الدرزية العربية وعندما تدخل دالية الكرمل يطل عليك نادي الحلقة الصهيونية الدرزية (!)، مقبرة (الأحياء) الذين سقطوا ضحايا الخداع والمراوغة والضحك على الذقون. عدد سكان عسفيا 5200. المساحة المخصصة للبناء 1215 دونماً... من أراضي القرية اقتطعت السلطة 900 دونم) (المصدر نفسه). ورد في كراس (تقرير خاص من عسفيا): (عدد أفراد الشرطة والجيش الدائم 145، عدد مشوهي الحرب 40، عدد الجنود القتلى 13) (المصدر نفسه، نقلاً عن كتاب مصور عن عسفيا أصدره الموالون للسلطة، ص 37). وهذا مواطن من عسفيا يقول للصحفي: (اكتب. اكتب: اسمي أسعد سعيد يوسف. ولدت عام 1950 في عسفيا. جندت عام 1967 وبعد عامين، أصبت، في أثناء خدمتي الإجبارية، بكسر في رجلي اليسرى بسبب انفجار لغم. سرحت عام 1971، خلال الخدمة سجنت أكثر من ستة أشهر واضطررت لإعادة هذه المدة في الخدمة. رغم إصابتي اضطررت للعمل في الأشغال السوداء..فعملت في ميناء إيلات ولكنهم أقالوني عندما عرفوا أنني مشوه. وهذا ما حدث لي عندما اشتغلت سجّاناً، بعدها تنقلت في أماكن عمل متعددة وطردت للسبب نفسه. وأنا عاطل عن العمل الآن. متزوج ولي ولدان: مروان وصفاء. مشوه عاطل عن العمل وبيت مهدد بالهدم وأرضي مهددة بالنهب وضريبة الدخل تطالبني بدفع 120 ألف ليرة..أي ديمقراطية!!؟ قل لي يا أستاذ...هل توجد عدالة؟؟) (المصدر نفسه).
- ويبدأ العام 1980، وتبدأ المتاعب مرة أخرى. لجنة المبادرة تصدر بياناً تقول فيه (بعد أيام، أي في 22/1/1980 ستجري انتخابات اللجنة المحلية للقرية، وبالرغم من أن مصلحة الأهالي والشعور العام تقضي بفصل الساجور عن المجلس الإقليمي ميروم هجاليل وإقامة مجلس خاص بالقرية. إلاّ أن السلطات تضرب عرض الحائط بهذه المطالب.

- تجري معركة الانتخابات وأرض القرية وحتى الجدار مهدد بالمصادرة ("من أجل المساواة التامة في الحقوق"، (بيان أصدرته لجنة المبادرة الدرزية في أوساط كانون ثاني 1980). وقد مُنع الشيخ فرهود، القائد الوطني للدروز الفلسطينيين، من زيارة قرية (مجدل شمس) الدرزية السورية المحتلة لأداء مهامه الدينية. ورد الشيخ فرهود على قرار نائب وزير الحربية بمنعه فقال: (جاء في تصريح الوزير أن منع التصريح عني هو للمحافظة على (أمن إسرائيل) فأنا حسب قولهم، أحرّض الشباب الدروز على عدم الخدمة في الجيش. فيا للعجب. هل يوجد في تلك المناطق التي يمنعونني من دخولها (الضفة والقطاع وهضبة الجولان) تجنيد إجباري حتى أحرّض على ذلك) ("الشيخ فرهود يرد على نائب وزير الحربية"، "الاتحاد"، 18/1/1980).

وفي بيان للجنة المبادرة وردت فيه على ادعاءات السلطة حول المساواة مع اليهود، قال البيان: (إن قرية ساجور، مثلها مثل جميع قرانا العربية، تعاني من التمييز في كافة المجالات وتتعرض أراضيها للنهب والمصادرة. وأكد أهالي ساجور رفضهم القاطع لمحاولات السلطات وأعوانها مصادرة أراضي (النقار) البالغ مساحتها 660 دونماً وهي من أراضي وقف الطائفة العربية الدرزية) (المصدر نفسه، 25/1/1980).

وقام وفد كبير من مشايخ الطائفة العربية الدرزية يضم حوالي 300 شيخاً على رأسهم الشيخ أمين طريف، الرئيس الروحي للطائفة، بالاجتماع مع وزير الأديان وممثلي الكتل النيابية في الكنيست؛ حيث احتجوا أمامهم على محاولات الحكومة سن قانون يقضي بزيادة عدد أعضاء لجنة تعيين القضاة للمحاكم الدرزية الإسلامية من ثمانية أعضاء إلى تسعة. وأكد الوفد لكل من اجتمع به أن مبدأ سن القانون يعتبر تدخلاً فظاً في شؤون الطائفة الدرزية والداخلية، وأثنى المشايخ على مواقف نواب الكتلة الديمقراطية للسلام والمساواة: توفيق طوبي وتوفيق زياد وحنا مويس، وشارلي بيطون. وقد رد طوبي وزيادة بأن الكتلة تقف بحزم إلى جانب قضايا الطائفة العربية الدرزية في كفاحها من أجل حقوقها الدينية ومن أجل المساواة وإلغاء قوانين التجنيد الإجباري (المصدر نفسه، 26/2/1980).

وأوردت (الاتحاد) أسماء رافضين جدداً للخدمة الإجبارية وهم: (سليمان (نسيب) أبو رعد وسلمان جبر شوفانيه وأمير كمال شاهين من شفا عمرو، وسهيل عساقلة ونبيل عايدي وحسن صالح عرايدة وسلام عساقلة من المغار). وحكمت محكمة عسكرية بالسجن على سليم قائد بيه لمدة 11 شهراً لرفضه الخدمة الإجبارية (المصدر نفسه، 15/1/1980). وفعلت الأمر نفسه مع وجيه نصار من عسفيا وسلمان سرحان من شفا عمرو وأيوب عطا الله من يركا ونور الدين ستاوي من المغار وسلطان قزامل من بيت جن (المصدر نفسه، 1/2/1980). (وداهمت قوة مشتركة من الشرطة المدنية والعسكرية يوم الخميس 17/1/1980 بيت الشيخ حسين سليمان أبو رعد، البالغ من العمر 57 عاماً في شفا عمرو، وذلك بحجة البحث عن نجله صلاح رافض الخدمة الإجبارية. وقد انتهكت هذه القوة من الشرطة حرمة البيوت وتصرفت بصورة فظّة) (المصدر نفسه، 29/1/1980).

(وفي 18 شباط 1980 عقدت لجنة المبادرة اجتماعاً احتجاجياً ضد تصرفات السلطات والشرطة المدنية والعسكرية. وقد أحضر الشاب سليمان أبو رعد قيمصه الملطخ بالدم منذ اعتقاله والاعتداء عليه بالضرب المبرح في يوم 26/12/79، وشرح موقفه المبدئي الرافض للخدمة الإجبارية النابع من كونه عربياً يعيش في قرية عربية ويتكلم العربية) (المصدر نفسه، 22/2/1980).

ومن الجدير بالذكر، أن العديد من الشباب العربي الدرزي قاموا باستعمال أساليب عديدة للتخلص من الخدمة المفروضة عليهم فرضاً (إذ حاول بعضهم إطلاق الرصاص على أعضاء جسمه، كما حاول البعض الآخر استعمال المواد السامة مثل الشام صالح ملا من يركا. وحاول آخرون تناول عقاقير خاصة لكي يخففوا من صلاحيتهم للخدمة مثل بروفيل 21 الذي يحسب بموجبه الإنسان مخبولاً) ("بيان إلى الرأي العام"، (المنشور أصدرته لجنة المبادرة الدرزية في 18/2/1980).

وأصدرت كتلة عسفيا الديمقراطية في أوائل آذار 1980 بياناً هاجمت فيه المجلس المحلي الذي يسيطر عليه زعماء موالون للحكم العسكري الإسرائيلي، وبعد أن ذكر البيان أن ميزانية عسفيا تبلغ 9 ملايين ليرة هاجم زيادة الضرائب (ضرائب المباني) من 4.5 ليرة للمتر الواحد إلى 15 ليرة أي بزيادة 300 بالمائة خلال سنة واحدة ("نداء إلى مواطني عسفيا الكرام"، (منشور أصدرته كتلة عسفيا الديمقراطية في أوائل آذار 1980).

في آذار 1980، توافد ممثلو الجماهير العربية في المثلث والكرمل والجليل إلى مؤتمر الدفاع عن الأرض والمأوى والحق في قرية المغار الجليلية بدعوة من مجلس المغار المحلي ولجنة المبادرة الدرزية. واتخذ المؤتمر، بالإجماع، وبحضور وفود من 16 قرية عربية درزية ووفدين عن لجنة الدفاع عن الأراضي ولجنة رؤساء السلطات المحلية العربية قرارات ترفض سياسة تهويد الجليل، وتستنكر بشدة تدخل السلطات الحكومية في شؤون أبناء الطائفة العربية الدرزية ومحاولات تشويه انتمائها القومي العربي الأصيل؛ وذلك بتدريس ما يسمى زوراً وبهتاناً (التراث الدرزي). وأيّد المؤتمر مطالب وفد مشايخ الطائفة، برئاسة الشيخ أمين طريف، الرئيس الروحي للطائفة الدرزية، ودعا المؤتمر إلى تشديد المطالب بإلغاء قانون التجنيد الإجباري ووقف الغزوات العسكرية والبوليسية على القرى العربية الدرزية لاعتقال رافضي الخدمة الإجبارية ("مؤتمر المغار الوطني يجسد وحدة الجماهير العربية ويرفض سلخ الطائفة الدرزية عن عروبتها الأصلية"، "الاتحاد" 4/3/1980).

وتشير (الاتحاد) إلى اعتقال الشاب سلطان قزامل من بيت جن ومسعود سلمان ثابت وسعيد سليمان ثابت من يركا لرفضهم الخدمة الإجبارية ("مع رافضي الخدمة الاجبارية"، المصدر نفسه، 4/3/1980). ويوجه الشيخ أحمد علي القضماني من مجدل شمس – هضبة الجولان المحتلة، رسالة إلى الرأي العام يطلب فيها رفع الإقامة الجبرية المفروضة عليه منذ أكثر من سنة ونصف السنة، في محاولة لإرهابه وكسر معنوياته وإسكاته إزاء ممارسات الاحتلال التعسفية والهمجية الرامية إلى إرغام أهالي الهضبة السورية على قبول الهويات الإسرائيلية ("نداء من الشيخ أحمد علي القضامي"، المصدر نفسه، 8/4/1980). وأشارت الاتحاد، في نيسان، إلى اعتقال أنيس عباس من (أبو سنان) لرفضه الخدمة، وأعفى الشاعر الشاب سهيل قبلان من بيت جن من الخدمة الإجبارية بعد رفضه الانصياع لها ثماني سنوات، كذلك أعفي مالك سرحان كرباج بعد أن حكم بالسجن عليه ست مرات (المصدر نفسه، 15/4/1980). وأرسلت لجنة المبادرة برقية إلى وزير الحربية تستنكر فيها استدعاء سلمان ناطور للخدمة العسكرية التي يرفضها لأسباب ضميرية ومبدئية. ويذكر أن الكاتب الفلسطيني المعروف سلمان ناطور كان قد وجه رسالة إلى وزير الحربية مليئة بالسخرية المريرة، مما اضطره إلى إعفائه (المصدر نفسه، 25/4/1980، ونص رسالة سلمان ناطور إلى وزير الحربية نشرت في العدد نفسه).

- وبعد، فهذه صورة تقريبية لنضال الطائفة الإسلامية العربية الدرزية في فلسطين المحتلة. وهي تؤكد الصورة المعاكسة للمفهوم الطائفي التقليدي، بل إن صورة نضال (الدروز الفلسطينيين) قلبت مفهوم الطائفة إلى ضده وحولته إلى مفهوم نضالي، وذلك حين حاربت استغلال الدين لأغراض مشبوهة، إذ وقف الدروز الفلسطينيون في وجه كل محاولات الدمج في الكيان الصهيوني، واستعملوا كافة أشكال النضال لدعم موقفهم هذا.

ولكن لا بد من أن نشير إلى أن إسرائيل، في رؤيتها الاستراتيجية، لا تهدف إلى فصل الدروز عن عروبتهم وإسلامهم فحسب. وإنما تهدف إلى خلق (دولة درزية) موالية ومشابهة لها على نمط (دولة سعد حداد). لكي تصبح (الدولة الدرزية المزعومة) نموذجاً طائفياً في المنطقة العربية، وبهذا تأمل إسرائيل في حدوث (التماثل) في المناطق العربية بحيث يساعد كل ذلك على تبرير أساس دولة إسرائيل القائم على مزج الصهيونية باليهودية وتحويل اليهودية (الدين) إلى (قومية) وهمية. إضافة إلى أن إسرائيل تريد، بذلك، تفتيت وحدة الشعب الفلسطيني، وضرب إمكانات نمو الحركة الشعبية الوطنية وصعودها في منطقة عرب فلسطين 1948. وهذه الأفكار الإسرائيلية التي نتابعها، تبلورها إسرائيل وتعمل على تنفيذها بمساندة من الولايات المتحدة الأميركية، وهي، أي هذه الأفكار، أحد مظاهر نمو الطائفية في العالم العربي التي يسعى أعداء الأمة العربية إلى غرسها، ومن ثم قطف ثمارها، في أرضنا العربية.

المراجع
1. أمين طليع، أصل الموحدين الدروز، منشورات عويدات، ط2، بيروت، 1980.
2. جريدة الاتحاد
3. جريدة الأنباء، القدس.
4. جريدة الحياة، البيروتية.
5. جريدة معاريف.
6. جريدة هارتس
7. جريدة يديعوت أحرونوت.
8. سعيد نفَّاع، العرب الدروز، دار الجليل، عمَّان، 2009.
9. سميح القاسم، جريدة (المرصاد)، 14/7/1960.
10. الشيخ فرهود، (مقابلة معه)، الاتحاد، آذار 1980.
11. الشيخ قاسم فرو، (الدروز... من هم.... وما قيل فيهم في القرن العشرين). نقلاً عن حنا إبراهيم، جريدة (الاتحاد)، حيفا 2/6/1978.
12. لينين، (نصوص حول المسألة اليهودية)، بيروت، دار الطليعة.
13. ماركس، (المسألة اليهودية)، بيروت، دار الحقيقة.
14. ماكس أوبنهايم: الدروز، ترجمة محمد كبيبو، دار الورّاق، ط2، 2009.
15. مجلة الغد.
16. مجموعة من الكتاب السوفيات، (الصهيونية نظرية وممارسة)، بيروت، دار الطليعة، 1974.
17. مرزوق حلبي: موسم الزيارة إلى مقام النبي شعيب، مجلة فلسطين الثورة، قبرص، 4/5/1985.
18. نبيه القاسم، (واقع الدروز في إسرائيل)، القدس، مطبعة دار الأيتام الإسلامية الصناعية، الطبعة الأولى، آذار 1976. معظم هذه الإشارات التاريخية مستقاة من هذا الكتاب (ما عدا المشار إليه).
19. نجلاء أبو عزالدين، الدروز في التاريخ، دار العلم للملايين، بيروت، 1985.
20. نور عامر: كل مفروض مرفوض، مجلة فلسطين الثورة ، 4/5/1985.
21. بيانات (لجنة المبادرة الدرزية): حصلنا على عدد من هذه المنشورات المستعملة في البحث (1980).


Back to Top